30 avr. 2011

أيّها المنتفعون من ثورة لم تصنعوها ما بالكم تصمتون ؟





سواء كانت الثورة "ثورة الشباب"، أو "ثورة شباب الإنترنات والفايسبوك" أو "ثورة أصحاب الشهادات المعطّلين"، أو "ثورة الجهات المهمّشة"، أو "ثورة الكرامة" فإنّها في جميع الحالات تخدم مصالح جميع الطبقات والفئات الاجتماعية دون استثناء.
والثورة من هذا المنظور تخدم فئات المستثمرين وأصحاب المشاريع ورؤوس الأموال. فالنظام البائد المتهالك قد عطّل دواليب الاقتصاد، وأخلّ بقوانين المنافسة، وابتزّ كلّ ناجح، وتسلّل إلى كلّ مشروع، واندسّ في جميع أجهزة الدّولة التشريعية والمؤسساتية والإدارية، وتجبّر على كلّ معتزّ بما بعثه من عدم أو ورثه أبا عن جدّ، ولم يترك لأحد سبيلا لأن يؤسّس ويبعث ويشغِّل وينجح، وزاحم الكبار والمتوسطين والصّغار جميعا بل ابتزّهم وأزاحهم وخنقهم وسدّ عليهم السّبل بدون وجه حقّ ولو كان حقّ السوق الحرّة الذي تقيّده هو الآخر قواعد معلومة ضرب بها عرض الخلاء...
كما أن الثورة من هذا المنظور تخدم أعوان الدّولة سواء كانوا في الوظيفة العمومية بمختلف قطاعاتها أو في مؤسسات الدّولة... فهؤلاء قد كبّلهم النظام المنهار بكلبشات الطاعة العمياء، ومطرقة التعليمات الهوجاء، وعصا التحزّب أو التجمّع رغم الأنف والأهواء، وروّضهم على انفصام الشخصية وازدواجية التصرّف : خطاب موضوعي يستند إلى قوانين وقواعد وتراتيب ومعايير مقبولة عموما وفعل يرتكز على ساقين الصلف والجشع والتجبّر أولاهما، والطمع والخنوع والخوف ثانيتهما.
كما أن هذه الثورة تخدم أعوان الدّولة من حيث أنّها تفتح أمامهم أبوابا أوصدها الفساد الفاسِدُ والمفسِدُ = أبواب الترقيات والخطط التي احتكرها النّظام لتابعيه الفالحين المفلحين في خدمة الأسياد قدامى وجددا، والمتمسّحين على كل الأعتاب طمعا أو لهثا وراء سراب وجاهة مغلوطة، والفاشلين فكرا وخُلقاً وتسييرا ؛ وأبواب المراكز العليا التي تشبّث بها العواجيز العجّز العاجزون عن غير الاستماتة في إرضاء السلطان ونهب الملك العام.
ثمّ إنّ الثورة من هذا المنظور قد حرّرت طاقات الإنتاج والخدمات وهي ستوفّر لها المناخ المناسب والتمويلات اللازمة ومقوّمات الانطلاق التي عرقلتها المحسوبية ورصد الأموال-قروضا وهبات ومساعدات- والحوافز –تمويلية وجبائية وعقارية وغيرها- لغير أهلها، وتوزيعها لا وفقا لقواعد الاستثمار المقنّنة والتصرّف السليم بل بما يرضي التعليمات الشقيّة والأطماع البلهاء وبما يقرّب من مركز حلقة النّهب لعلّها تكافئ بفتات...
وممّن أفادتهم الثّورة وخدمتهم دون أن يكون لهم يد فيها، بل وهم قد عملوا –وإن بأمر- على تعطيلها، تلك القوى التي سخّرها الطغيان للتتبّع والتنصّت وللإيقاف والعسف والتنكيل وللاستنطاق والتعذيب، وللأحكام المبنية على التزوير والبهتان، وللحبس الظالم وقطع الأرزاق وترهيب أصحاب الرأي المخالف ورافضي الاصطفاف والصائمين عن التصفيق... فهذه القوى منها من استفاد من الثورة حتى ماديا، وكلّها أطلق سراحها من غياهب الأوامر والتعليمات، وخوف "المعلّم" والرؤساء، وكلّها انفتح أمامها درب العودة إلى خدمة الوطن والمواطن، والانعتاق من ربقة الاستعباد وتسخير المصلحة العامة وقدرات الوطن للمصالح الضيّقة والنوايا الخبيثة والمطامع الرذلة.
والثورة من هذا المنظور تخدم كلّ من كان مكبّلا ومعطّلا لخوف أو رهبة أو لانسداد أفق وعجز عن التمييز أو إعاقة إرادة، أو ضبابية رؤية.
ولأنّ الأمر على هذه الصّورة وهذا الواقع فإنّني لم أفهم كيف ندر المستثمرون والباعثون وأصحاب المشاريع المحليون الذين تجرؤوا على الإصداع بالحقّ بأن يشرعوا في التنفّس وفقا لرغبات رئاتهم، والذين فكّوا عقد ألسنتهم، والذين شمّروا عن سواعدهم، والذين تنادوا إلى العمل الجادّ، والذين سخّروا مواردهم التي كانت حبيسة في صناديقها وصررها ليؤسسوا وينتجوا ويشغُّلوا، ولا كيف شحّت مبادرات المسؤولين الكبار والمتهيئين ليكبروا بالإدارة العمومية فلم نر إلاّ ما يجب البحث عنه بالميكروسكوب في كلّ ما يهمّ إعادة بناء الهياكل والمؤسسات على أسس قويمة، وقطع دابر الفساد الذي شرّش في كلّ الأنشطة : صفقات ومعاملات وانتدابات وترقيات، وفي كلّ ما يتعلّق باسترداد قيمة العمل والبذل –فعلا لا قولا- واستبعاد الفاسدين والعجزة وضعاف الأنفس، وإطلاق طاقات الشباب، ومجازاة الكفاءة...
غريب أمرنا في هذا البلد : نخضع ونطأطئ الرأس ونقبل بالهوان... ولمّا يتسارع التّاريخ وتهزّنا الأحداث، تخفق أفئدتنا مجدّدا لكن لوهلة فقط، ثم نعود إلى الترقّب بعنوان الحذر، ولا نتقدّم خطوة رغم انكسار القيود خشية أن تميد الأرض تحت أقدامنا دون سابق إنذار أو حتّى نتفادى شرّ من هدّنا شرّهم إذ أنّهم قد يسترجعون مراكزهم، أو لأنّنا هلعون من الحريّة التي لم نعاشرها من قبل، أو لأنّنا تحنّطنا في انتظاريتنا وتحوّلنا آلات بكماء وصمّاء لا عقل لها ولا إرادة لا تتحرّك إلاّ بفعل فاعل من غيرها...
غريب أمرنا في هذا البلد : نهرع إلى المكاسب السهلة، ونتكالب على المنافع حتى ونحن لا نحتاجها، ونتصارع على المواقع والمناصب خصوصا متى كنّا لا نستأهلها، ونهرب حتّى من ظلّنا، وترتعد فرائصنا حتى لمجرّد أن نسمع خفقات قلوبنا ونغمات نفسنا تنتظم بغير أمر وتتوثّب للاستجابة لحرّية تراودها...
غريب أمرنا لكنّ، مستقبلا الأزرق السماوي أفقه، وقوس القزح ألوانه، وريح الورد والياسمين والفلّ شذاه ينفتح لأبنائنا وبناتنا برغم طمعنا وهلعنا وخوفنا وحذرنا وخنوعنا وانكسارنا : فالفاعلون الأساسيون في الثورة - "الشباب " و"شباب الإنترنات والفايسبوك" و "أصحاب الشهادات المعطّلون" و "الجهات المهمّشة " و"عشّاق الكرامة"، قد قلبوا الموازين دون رجعة، وتقمّصوا الحريّة فانبثّت في شرايينهم، وعانقوا الشمس فاستهوتهم إلى الأبد، وطلّقوا الخوف  فلم يعودوا يخشون "غازا ولا خراطيش"، واحتدّ ذكاؤهم فلم تعد تضلّلهم لا الكلمات العسلية ولا المناورات المخملية ولا الوعود الجوفاء ولا ألاعيب الثورة المضادّة.
شباب الثورة شربوا أنخاب الاستشهاد والمجد، واستباحوا قلاع الجلادين وعرّوا سلاطين آخر الزمان، وخفقت أفئدتهم بوتائر الزمن الجديد، وانتظمت أنفاسهم على إيقاع التآخي والتمرّد والتّوق إلى الأجمل...
شباب الثورة عرفوا كيف لا تنقطع الصّلات بينهم، وتنادوا إلى النصر المبين وكلّما انفضّ لهم لقاءٌ ودّع بعضهم بعضا على أنغام : "إن عادوا عدنا !"


                                                                                                                                       27 أفريل 2011

19 avr. 2011

أيا السيّد الباجي قائد السبسي : لا تغتل فرحنا بالتناصف !

مسألة المساواة بين الرجل وبين المرأة ليست شأنا نسائيا فحسب وهي لم تكن يوما كذلك. فالمرأة أخت الرّجل وقرينته وزميلته وصديقته. وهي قبل كل شيء أمّه. ثمّ إنّها بنته...
والمرأة التونسية حتّى متى كانت محرومة من الدّراسة ومن العمل خارج المنزل كانت على الدّوام مربّية الناشئة، والحانية على الجميع، والعاملة من الفجر حتّى حلول المساء وبعد الحلول : تعمل في المسكن وفي المطبخ وفي الحقل وفي المنسج وفي المزرعة... وهي إلى ذلك تعمل مقتصدة ومدبّرة وراعية للصحّة وللرّاحة وللنجاح بل حتّى لمجرّد تأمين البقاء !
ولم يكن إصدار مجلّة الأحوال الشخصية انتصارا للمرأة فحسب، بل كان نصرا لكامل المجتمع... وهو لم يكن أبدا وليد رغبة فردية -وإن كان لسداد رأي فرد وكذلك لحساباته السياسية دور هامّ في توليده- بل إنّه نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية وحضارية أسهم فيها المجتمع التونسيّ بأجياله المتعاقبة.
ولولا مجلّة الأحوال الشخصية لما حقّق وطننا ما حقّقه من رقيّ ونماء ورخاء ولما استطاع الصمود –ولو سلبيا- ثمّ الانتفاض على من امتصّوا رقيّه وعطّلوا نماءه ونهبوا رخاءه... فالفاعلون في ثورة الشباب لم يكون رجالا فقط بل كان منهم فتيات ونساء كثيرات... العديد منهنّ كنّ في الطليعة، والعديد منهنّ دفعن ضريبة الدمّ وتعرّضن للاغتصاب والتعذيب والملاحقة... فنساء تونس لم يكنّ كنساء غزوات العرب : يسرن في هوادجهنّ أو على ظهور الدوابّ خلف صفوف المقاتلين يشجّعنهم على القتال ويمنعنهم من التراجع، بل كنّ في الصفوف الأماميّة للمظاهرات والتجمّعات والاعتصامات، وقضّين الأيام والليالي بالقصبة رغم أنف العسس والمندسّين وفلول التجمّع والبوليس السياسي قاطع الأنفاس...
نعم بنات تونس واجهن الغاز والهراوات والرصاص وقدن وصنعن الحدث بل الأحداث، وتقدّمن أقرانهن... نعم : بنات تونس صرخن ضدّ الطاغية وعرّضن أنفسهن وأسرهنّ وأطفالهن لجنونه وغضب زبانيته... نعم : بنات تونس واجهن مخاطر مواجهة النظام المتهاوي وعرّضن أنفسهنّ لاعتداءات الزبانية المندسين في مظاهراتهنّ ولسوقية المتاجرين بالدّين المهرولين إلى الشارع للاستحواذ عليه باطلا بعد أن زال الخطر أو كاد.
 لولا ما حقّقته المرأة التونسية وما حقّقه مجتمعنا من انفتاح وتفتح لما كانت مستشفياتنا عامرة بالأطبّاء والطبيبات، ولما كانت جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا تربّي وتكوّن، ولما كانت مؤسساتنا الإدارية والخدماتية والإنتاجية تعمل كما هي تعمل...
النّساء، يا سيّدي هنّ الذين يعملن في اليوم مرّتين : مرّة بل مرّات في المنزل، ومرّة وبأكثر تفان في عملهنّ الرسمي... وعلى من لا يدرك هذا أن يتجوّل في أريافنا لير من يعمّرها ويزرع خيرها، وليزر مصانعنا ولير من يدير سلاسل إنتاجها، وليسأل غيره ونفسه كم يرجع من ذاته له هو ذاته وكم يرجع لأبيه ولأمّه ؟
النساء يا سيّدي لسن لا ناقصات عقل ولا دين ولا دراية ولا دهاء.
بناتنا-أخواتنا-أمّهاتنا-قريناتنا، يا سيدي، صنعننا وصنعن بلادنا ولا تنقصهنّ الكفاءة ولا الخبرة ولا الجرأة... نعم نساؤنا قادرات مؤهّلات وفي وسعهنّ أن يكنّ في المجلس التأسيسي وفي البرلمان وحتّى أن تترأس إحداهنّ الدّولة الجديدة.
نساؤنا، يا سيدي، يزغردن لنا لكنهن لا يكتفين بالزغاريد... نساؤنا، يا سيدي، بشر كالبشر، إنس كامل الأوصاف... نساؤنا لم يعدن ولايا وعورات وخادمات-جاريات للرجال...
نساؤنا، يا سيّدي، -أيّها الوزير الأوّل بالنيابة- يمكنهنّ أن يتقدّمن لكلّ الانتخابات في كلّ المدن والبلدات والقرى والأرياف : فحتّى في المناطق النائية توجد مثقّفات –مدرّسات-ممرّضات-مهتمّات بالشأن العام.
وإذا كان من الأحزاب وشظايا الأحزاب من لا يقدر على تجنيد بعضهنّ فالأمر يعنيه وليس علينا أن نخصص جوائز أو عونا لمن هو مدّع قاصر... خصوصا متى كانت الجوائز وكان العون حقوق فلذات أكبادنا وفرحهنّ بأداء الواجب...
نساؤنا، يا سيّدي –أيّها الوزير الأوّل بالنيابة- لسن كمّا يترك للبعض من عشّاق المناورة والمداورة ، ولسن سلعة تسلّم للبعض الآخر من المتهالكين على الاستثراء مراكنة واحتكارا، ولسن ضعيفات  -غير عاقلات- قاصرات يقبلن أن يولّى عليهنّ...
نساؤنا، يا سيّدي –أيّها الوزير الأوّل بالنيابة-  كما أنت وكما هم وهو ونحن وأنا، لا فرق بينهنّ وبيننا... نساؤنا أرضنا المعطاءة وسماؤنا الزاهية... نساؤنا مستقبلنا الواعد- ألواننا البهيجة- سعدنا...
نساؤنا، يا سيّدي –أيّها الوزير الأوّل بالنيابة-  أمّك التي أعجبني  بل أبهرني وأنا الطالب القادم إلى عاصمة البلد من ريفنا القصيّ أن أراك تنتقل إلى شقّتها قبل مكتبك كل صباح .
نساؤنا، وبلدنا، وأرضنا، ونحن جميعا نرجوك :
"لا تغتل فرحنا وفخرنا بأن تحبط قرار التناصف !"


                                                                                                                                       19 أفريل 2011

5 avr. 2011

أيا جربة :... من العشق ما قتل !



عشقك أحياني، يحييني... عشقك يقتلني !
وأنا أعيش لحظات الفرح الذي اِنتهينا إلى أن خلناه مستحيلا فانبجس، فجأة انبجس، ونحن لم نعد ننتظره انبجس، كنت في وجداني...
كنت فيّ وأنا أنظر ابنتي أحسبها تعيش لحظاتنا الأخيرة معا... كنت فيّ وأنا أشدّ أيادي رفيقتي –ابني-أختي-بنات أختي-أصدقائي-صديقاتي-بنات وأولاد "البلوقسفار"- شباب جلمة والحامة وسيدي بوزيد وتالة والرقاب وحيّ التضامن والقصرين (التي هي في ماضيّ قصر وحيد هو سجنها) والمزّونه وبئر صالح وبنقردان و...و...
كنت فيّ وأنا أقطع إليك ومنك إلى الجمّ فسيدي بوزيد فالزّهراء طريقا وعرا رغم الأسفلت، أسابق منع التجوال وأشفق على عشيرتي الصغيرة أن يغتال هناءها طائشٌ طامعٌ أو رصاصة ذيل من ذيول النّهابين الذين طغوا...
كنت فيّ وأنا أتابع عن بعد طفلتي تنتقل إليك من لظى نيران القناصة تفضحهم شجاعتها الإلكترونية مع تلفزيون تبتغيه سندا للسياحة فيتلقّفها بوليس العهد البائد يخيّل إليه أنّه ما يزال في وسعه أن يمارس بلا متصدّ لغته البذيئة وانشداده المرضيّ إلى خدمة الأنذال وعماه عن الوطن أرضا ومواطنين، فتقهره، هي التي لم تتنه بعد عقدها الثالث، هي الرقيقة كالياسمين الهشة كالنور الخفيفة كالنسمات، تقهره بلغة الوطن الجديد وعشق الحريّة والفناء في الآخر للآخر ومن أجل الجميع... كنت فيّ وأنا أسمع وأرى "حوسين" لا يهدأ له بال : عين على سواحل الجزيرة، وعين على القصبة، وبين هذه وتلك مهجة في سيدي بوزيد وبنقردان...
كنت فيّ وأنا أهتف لأميّ أقول لها وهي المقدمة على جراحة لم يكن من المستغرب أن تذهب بها : "ألَأبشري واِهنئي بالا فطوافك بين المعتقلات صفحة طواها الماضي وأنت الآن تعيشين ثورة حقّة، ولدم عشيرتك-بناتك-أبنائك-حفيدتِك، حفيدتك تلك صعبة المراس متمرّدة الطبع غريبة الصّمت يدٌ فيها وعقلٌ...
كنت فيّ وذهني يسرح في رحاب الآتي المشمس البديع- يرسمك جنّة أحلى فيها تفّاح أصيل ونخل باسق وكروم غنّاء وناس هبّوا من كلّ حدب وصوب هائمين بك، حانين عليك يسحرهم تاريخك-ذاكرتك-بهاؤك العتيق ويومك الذي انتهيت إليه وقد أفلحت في أن تكوني أنت أنت، بخير ما ورثت وأبهى ما ابتدع العصر...
كنت فيّ وأنا أرى وطني جموعا قوسُ قزح ألوانُها، والفرح قسماتها، والتعدّد فكرها، والنوعان عماداها، والحريّةُ دروبُها، والماضي المتنوّع والأفق الزّاهي وتداها...
كنت فيّ وأنا أقاتل أرقي وأطارد جزعي ويشحذ عزمي إقدام ولدي ينصبّ طفولتَه المتحوّلة شبابا حارسا أمينا لنا لا يهزمه لا السهر ولا لعلعة النّار الحقودة...
كنت فيّ وأمّه-أمّها-أمّهما تقول لي : لاحق لك في الخوف... كلّ بنات تونس وأبناؤها فلذات أكباد الوطن الغالي... وكلّ من ذهبُوا، بل حلّقوا إلى المعالي متحدّين الخونة سرّاق البهجة وعصيّ الطاغي، هم أبناؤنا وبناتنا نبكيهم ونزغرد لهنّ، والضّير لن يكون لا أثقل ولا أدهى لو رفرف نحوّهم أخرون من صلبنا.
كنت فيّ وأنا أتشوّف إلى غدٍ-غدِ أبنائنا وأرى فيه تجسُّدَ أحلام كَم عذّبتنا وأرى سُعْدَى الحيّيةَ تدفعني إلى قدري تقول : "لا تحزن يا صادق ولا تتردّد، قدرنا الشخصيّ لا شيء أمام قدر الوطن والخيارُ واضح فلتنطلق ولتهنأ بانطلاقك : أنا معك !؟..
كنت فيّ وأنا أرى سي شعبان يبسم لي من عليائه في فخر ويهمس : "روسكم كاسحة" هذا صحيح، ولكنّي سعيد بكم : أطلت شعرك الذي كنت أريده قصيرا، وقصّت شعرها الذي كنت أريده طويلا... ولكنّها مثلك تعجبني ... وأفرحتني رغم الجزع.."ثمّ أتذكّره ينصحني-يربّيني : "لا أريدك مهزوما ولا هاربا... إن أحسست نفسك لا طاقة لك بالمواجهة لا تنهزم... بدّل سلاحك وتكتيكك وستنتصر... إن صارعك ظالم ولم تقو على الصّراع، ناور واختَر أنت توقيت الصراع ونوعه..!
كنت فيّ وأنا بين بنات وبنين كالزّهور كالورد اليانع بألوان الضوء الزاهية المتسلّلة إلى عين مغمضة تعاضد فكرا على تركيز الحلم البهيّ نتحدى البلطجية والبوليس وفرق التدخّل ونهدف على بعد شبرين من مداخل حصن الطغاة الأغبر : "ديقاج... ويسقط حزب الدستور، يسقط جلاّد الشعب..."
كنت فيّ وأنا لم أعد أعرف أأنا أحمي بنتا وأختا تكاد حنجرتاهما المتفتّقتان أملا وإرادة تجفّان أم أنّهما تحميانني...
كنت في ذاك اليوم الرابع عشر، يوم اكتمال القَمر، يوم نضج الحبّ في الأجساد، وأنا أرى شارعا يزهو وينشد ويبسم ويثق-ينشرح ويتعلّق بالمستحيل يراه ممكنا للتوّ وهنا...
كنت فيّ وأنا أرى على الأعناق بناتا كالفجر وعلى الطوار الذي كان حتّى اللحظة هنجعيّ المنع نساء أرواحهنّ على شفاههنّ أغواهنّ شبق مطلق الحريّة ولم يعد يعنيهنّ أهي الحرية بقاء أم الحريّة انتقالا عنيفا إلى المطلق !؟...
كنت فيّ وأنا أحنو على ولدي-أمّه أخته-عمّتهما-بنتي عمّتهما تتسارع دقّات قلبي إشفاقا عليهما من برد القصبة، عنف المتسلّطين فيها، ويخفق وجداني سعادةً بهذا الشّمل الثَّمِلِ بالحريّة يريدها كاملة وإن كانت حياته قد تنتهي أو تشوّه برصاصة غادرة...
كنت فيّ طوال هذه الأيّام والليالي الصّعبة الحلوة التي كنت قد كففت أو كدت أكفَ عن الحلم بها... كنت فيّ وأنا أذكر الهادي النجّار وهو يعبر من البرّ إليك منشدا أغاني كان مجرّد الترنّم بها أيّامها شبهة وخطرا.
كنت فيّ لأنّني منك وفيك مرابع صباي وأشواق كثيرة، ومنطلقي وشهوة استقرار ما قبل الرحيل النهائي...
كنت في وتظلّين فيّ اليوم... وغدا.
لكنني حزين منك، مريض بك... وعشقك يقتلني.
عشقك يقتلني ولا سبيل لأن أبرحه.
عشقك يقتلني يا جربة !
لكم سعينا لأن تبقيْ على الدّوام جرْبَةً يعني جنانا نضرا فيه الماء والشجر والخير وبهاءٌ لا مثيل له... رفاقَ "صيانة الجزيرة" ورفاق "جربة الذاكرة" وعشاقك الكثر غيرهم...
وكم تباهينا بأنّك مهد التنوّع والجمال الهادئ والكنوز البسيطة والسّهل الممتنع والممتنع اليسير والفصول الخمسة وتناغم الأرواح وتعايش الأهواء والرّحب للجميع ونقطة التقاء الأمس بأطواره وعطاياه بالغد بإبداعاته ذات الغصون المتوثبة نحو الشمس والجذور المشرّشة في ذاكرة الأرض والتاريخ.
ولكم عملنا على أن تداوي جراحاتك وأن نمنع عنك الطامعين والنهابين والبهائم والمستكبرين...
كنّا ثلّة-قلّة لم نصمت لا على اغتصاب مشاهدك- شواطئك- بحرك ولا على التغاضي-الصّمت الآثم على اندثار نهب تراثك-جوامعك-آثارك وهدر ما يزيّنك من نخل وزيتون وإتلاف معمارك المتميّز المتفرّد وتشويهه من هذا وذاك...
وأنا أفخر إذ قال لي الشيخ  الصادق بن مرزوق ذات عام وأنا أنافح على صفحات "الجزيرة" أستغيث لوقف اندثار جامع ولحي : "كفاك جهادا يا ولدي، فالجوامع كما الكائنات كلّها تموت هي أيضا ! وبارك الله فيك أن وجدت جوامع جربة فيك أنت بالذّات مدافعا صريحا لا يتردّد ولا يناور في زمن عزّ فيه من يجرأ حتّى على مجرّد ذكر الجوامع !؟"
عشقك يقتلني... فعشقك كلّي-واسع-عميق-متجذّر-ممتدّ... ويقتلني. يقتلني لأنّي أسمع أرى-همّجا يستبيحونك ؛ يستحوذون على جوامعك-يثقلون صدرك بمبان لا طائل منها-يهدرون جمالك وسحرك-ينصّبُون ذواتهم أنبياء بل ظلالا لله على أرضه يفتكّون المنابر ويغرسون الصوامع أوتادا تؤذي سماءك البهيّة وتطحن جوامع أرادها مشيّدوها كما الطفولة هشّة بسيطة رائعة جذّابة وحيّية...
عشقك يقتلني...يقتلني لأنّني لم أعهدكِ إلاّ متسامية سمحة منفتحةَ نيّرة فإذا بك تخضعين لأرهاط خرجوا للتوّ من بعبعهم يتدثّرون بالثورة زورا وبهتانا يوقظون أفاعي التفرقة، يوقدون نيران الفتن، يبتغون غبن الفكر والروح والجسد، يزعمون علما وإخلاصا ونقاوة نيّة ويَطرشون عن كلّ لومة لائم...
عشقك يقتلني... يقتلني لأنّك تُقْتلِين صبحا مساءً تذبحين في غفلةِ وعلى الملإ : دينصورات عهدي العسف وسنوات النهب التي لم يطلهم الزلزال ما يزال ينقضّون على شطآنك ينخرونها-يحيلونها إلى العدم...
عشقك يقتلني... يقتلني لأنّ مرضى العنصرية والجهوية يتهافتون عليك فمن يهود يرادُ تهجيرُهم أو يرومونه، ومن عملة داخل البلاد قادهم الأملُ إليكم يغتالهم اليأسُ والخذلان...
عشقك يقتلني... لأنّي أراك خالدةَ الجمال والرّوعة والسماحة والحضن الدافئ للجميع، مضيافة، عتيقة كزيتوناتك الدّهرية، خفيفة الظلّ كنخلك الرّشيق، زاهية الألوان كربيعك وإن لم ينهمر الغيثُ، متنوّعة كمشاهدك رغم ضيق المساحة، فسيحة الصّدر كبحرك، متواضعةً كجمالك ومساجدك...
عشقك يقتلني... ولن ينقذني منه إلاّ...عشقك أكثر !


                                                                                        الصادق بن مهني
                                                                       30 و31 مارس 2011


9 mars 2011

في اليوم العالمي للكلى 10 مارس : رسالة إلى متبرّعة سهوت أن أسألها عن اسمها.


وأنا أتابع حدثا من أحداث الثورة اقتربت منّي في خفر وحياء وحشمة وبصوت خفيض سألتني :
"هل هذه هي ابنتك لينا ؟  وهل يمكنني أن أثير معها موضوعا شخصيا ؟".
وإذ اطمأنّت إلى قسمات وجهي تشجّعها أضافت :" أريد أن أسألها عن أمر لا علاقة له لا بالثورة ولا بالسياسة ولا بالتّدوين : أريد أن تعطيني فكرة عن زرع الأعضاء"...
انتبهت لينا لحديثنا وانخرطت فيه بلا مقدّمات وبحماس بالغ...
سمعتهما تتهامسان في ودّ وألفة وتكادان تنسيان وجودي قربهما...
هي فتاة –امرأة في عزّ الشباب جميلة ومتوثّبة وتبدو عليها علامات عيش رخيّ... لها قريبة من درجة ثانية تعاني فشلا كلويا ولم يعد يشدّها إلى الحياة إلاّ آلات تصفية الدم... وهي تريد أن تتبرّع لقريبتها بإحدى كليتيها...
بنفس الخفر والحياء والحشمة خاطبتها لينا : لم تشجّعها، ولم تحرّضها ولم تدفعها أو تزد في اندفاعها... حدّثتها عن حياتها قبل الزرع وبعده. حدّثتها عن أمّها التي وهبتها الكلية... قالت لها أنّ أمّها ولدتها هكذا مرّة ثانية... روت لها انعتاقها وانطلاقها تعيش كغيرها من أندادها وأكثر...
بعد أن شكرت وامتنّت عادت تخاطبني أنا. قالت لي إنّ أسئلتها مجرّد فضول إضافيّ... وأنّها أجرت بعدُ التحاليل اللازمة وتأكّدت من التوافق العضويّ... وأنّه لا مشكل عقائديا يكبّلها... وأنها ستستكمل قريبا الإجراءات اللازمة لإجراء العملية...
أشفقت عليها من تخلّف قد تجده في قاض ستصرّح أمامه بأنها ترغب من تلقاء نفسها ودون إكراه أو إغراء، ومن لامهنية طبيب نفسيّ يجب عليه أن يثبت صحّة مداركها وحريّة قرارها.
وساءلتُ نفسي : هل هي الصّدف وحدها التي جعلتني أعرف متبرّعات أكثر ممّا عرفت متبرّعين ؟ وهل هي الصدفة وحدها التي جعلت عيد المرأة واليوم العالمي للكلى يتجاوران ؟
حظّا سعيدا لك آنستي – سيّدتي – أختي، وحياة حبلى بالأفراح لك ولنصفك الثاني.
                                                      
                                                               الصادق بن مهني
                                                       7 مارس 2011

إليها، إليهن... في عيدهنّ : عيد المرأة العالمي !


صغيرتي كم أنت كبيرة وعظيمة ورائعة ! أنت نبتة فلّ رقيقة حييّة سهلة الخدش يراك الرّائي فيحسبك يافعة ما تزال تلبس ميدعتها وتذهب إلى المدرسة ! لكنّك في واقع الواقع- كما كانت الكاهنة-علّيسة-سوفونيسبة- بنتُ تونس التي آلت على نفسها أن تفنى حبّا وبذلا لئلاّ تفنى تونس نهبًا وتخويفا وتقتيلا.
صغيرتي ! صغيرة القامة رقيقة العود، نحيلة أنت ! لكنّ قامتك وأنت تهتفين عند زاوية "الداخلية" ذات يوم دخل التّاريخ إلى الأبد في علوّ بوقرنين وزغوان والشعانبي معا !
صغيرتي ! كنت أخشى عليك ومازلت هلعا عليك. فأنت الوديعة المسالمة الحالمة المتطلّعة المعطاءة المتحدّية كنت، ومازلت، محطّ أنظار وأسماع غلاظ-متعجرفين- لا رادع لهم -متواطئين-طمّاعين-خوّافين- متكالبين- باعوا إنسانيتهم بأبخص ثمن وبدون ثمن !
كبيرتي ! لم أعد أخشى عليك ولستُ عليك جزعا ولن أحزن لو أصابوك ! فأنت قد علّمتني أنّ ابنتي-ابني-أطفالي ليسوا أفضل ولا أضعف ولا أغلى ولا أهون من شهيدات وشهداء تخضّبت بدمائهم أرضنا وعبق بشذاهنّ-شذاهم تاريخنا.
رائعاتي ! كم سعدتُ وفرحتُ وكم أحسستني شابّا بل ويافعا متوثّبا نحو مستقبل ممتدّ حتّى اللانهاية وأنا أجلس معكنّ ومعهم على الرّصيف في الشارع الكبير، الشارع الذي نهض يصنع التاريخ جديدا بحناجركنّ-حناجركم والشموع تتلألأ مرتاحة إلى الأزهار المرتاحة إلى صمتكم-صمتكنّ إلاّ صوت آمال تغنّي لوهلة كلمتها الحرّة !
بديعاتي ! بعضكنّ وبعض من أصدقائكن صديقات وأصدقاء لي على الشبكة وجميعكنّ-جميعكم بنات وأبناء لي كما صغيرتي-كبيرتي وكما أمينُ... وكم أنا ممنون للحياة على أنّها أبقتني لأعيش لحظةً ارتفعت فيها هامتي وطاولت ما وراء الحدود-ما وراء الزّمن السيّار ...
كم أنا ممنون لكنّ-لكم على أنّكم-أنكنّ صنعتنّ- صنعتم من رقّتكن-يفاعتكم قوّة زلزلت من-ما كان جاثما على صدورنا-عقولنا-إرادتنا كقدر غاشم لا يستحيل.
صغيرتي-كبيرتي وأخواتها !
أدرك أنّكنّ قويّات العزم، فولاذيات الإرادة، لا تتردّدن في المعاودة لكنّني مع ذلك مشفق عليكنّ، جزع علينا !
لا أستطيع أن أنسى هناء، وما ذاقته من عذاب اجتمع عليها فيه كلاب الدمّ وغوغاء الميليشيات...لا أستطيع أن أنسى ذاك الذي حمل على الأعناق وشقّ صفوف الديمقراطيات ينبح "أن إلزمن المطابخ والمضاجع واتركن العمل والشارع والتعبير للرجال"... لا أستطيع أن أنسى أولئك الباغين الذين تكالبوا على زهورنا وشموعنا وعلى جمالكنّ الساطع يدّعون في الدّين معرفة حصرية وفي الجهاد طريقا وحيدا... لا أستطيع أن أنسى ما أشاهده وما أسمعه من رغبة في غبن أرضنا-سمائنا-شمسنا-طموحنا بكذبة خلنا أنّها انفضحت وانقشعت للأبد وهاهم يلوّحون بها من جديد كذبة أنّكن أدنى وأصغر !
صغيرتي-كبيرتي وأخواتها !
ولدتني امرأة تعذّبت بي جنينا وطفلا وعذّبتها شابّا يخرج من مراهقته تتلاقفه مخابئ النضال السرّي فالسجون والمعتقلات الموزّعة على الأنحاء البعيدة !
وكانت جدّتي امرأة لا يصل كعبَها عشرةُ رجال : تعمل كقبيلة، وتشقّ الوعر، وتصنع المحال، وتستهزئ بألف تحدّ، وتحفّظُنَا "لغة النبيّ" – لغة أجدادها الأمازيغ!
ورافقت أمّك عودتي إلى الدّنيا من غياهب سجون تونس وبنزرت والقصرين وبرج الرومي وكان لها فعل كبير في أن أتعلّم من جديد كيف أخطو ومتى أعدو أو أهرول ومتى أهدأ. وإلى ذلك أعطتني ولدين رائعين وأحاطتني برعاية حنونة وأثبتت بولادتها الثانية لك أن المرأة هي مستقبل البشرية فعلا .
كما رافقت مسيرتي في حياتي أخوات ورفيقات وصديقات وقريبات وزميلات أحببنني كثيرا، وأحببتهنّ كثيرا، وتعلّمت منهنّ الكثير، وأنا مدين لهنّ بأشياء لا تحصى منها أن إنسانيتي هباء منثور إن لم تعزّزها حرّيتهن وإنسانيتهنّ.
ومنكنّ جميعا تعلّمت أنّ الحياة أنثى وأنّ السخاء هو أيضا أنثى، وأنّ التضحية أنثى... وعندما أعدتني إلى روحي ودمي بأن أنزَلتني مجدّدا إلى المظاهرات والتجمّعات والاعتصامات، وجدتني صغيرا صغيرا بل في منتهى الصّغر وأنا أرى كل هؤلاء الرائعات المتقدّمات في الميدان المتمترسات تحت الأشجار الزاهيات بأعمارهنّ على اختلافها المناديات بحريّة الشعب ورخاء البلاد الغيورات على حقوقهنّ وغير المتردّدات أمام الغازات والسموم والرصاص والعسس.
صغيرتي، الكبيرة، أخواتي، أمّي، صديقاتي يا كل حبيباتي !
أنا خائف عليكنّ، خائف على الرجال في بلدي، خائف على بلدي، خائف من أن ينقلب المنقلبون على ثورة لم يصنعوها واستفادوا منها فوريا وأكثر من غيرهم، لكنّهم لا يحترمونها...
ولكنّني تعلّمت منكنّ جميعا أنّ الصّبر جميل وأنّ الحقّ يعلو وأنّنا شعب قد يخبو لهبه لكن أبدا لا تنطفئ شعلته، وأنّنا "إن عادوا عدنا" وإن التفّوا انفجرنا وإن اعتدوا تصدّينا.
أحيّيكنّ جميعا في عيدكنّ العالمي، وأقبّل أرجلكنّ واحدة واحدة يا كلّ نساء بلدي !


                                                               الصادق بن مهنّي
                                                     7 مــارس 2011

4 févr. 2011

إلى ابنتي و أخواتها المدوّنات و رفاقهن المدوّنين

لطالما اعتقدنا أنّ الياغورت و الشكولاطة و اللّحم المجمّد و السندويتش قد جعل منكم ليّنين و ليّنات  تعصرون و تدهسون و تمعسون ,و لا يهمّكم إلاّ أن 'تشيخوا...وتشيخوا في المقاهي و البارات و سهرات الحمّامات و قمرت, و لا تعرف أمخاخكم السفر إلاّ نحو الغرب المتهالك ...و لطالما أحسسنا بالنحس و التعس و البخس لأنّنا أنجبنا مسوخ ديدان لا يهمّها إلاّ أن تبقى و تتبحبح...
و فجأة اكتشفناكم:
اكتشفناكم فجرا منيرا,زخما بألوان الطيف, نسمات تدفع برفق لكنّها  تدفع تدفع , مدّا هادئا يزحف خيرا,شدّة ليّنة أو لينا شديدا يجذب يجلب يهزّ يدزّ يسحب يدفع
ثمّ انفجرتم :
انفجرتم سيلا مزمجرا بصوت واحد عذب يغنّي يصرخ يبدع يصنع معجزات يهدم الهدم يبني من عدم صروحا منيرة تدكّ العتمة تفتح في السدود المنيعة شروخا يندفع منها  البشر و البشر يهرب منهم المستدام العصيّ الثقيل الطاغوت و المستحيل.
فجأة رأيناكم:
رأيناكم غير ما كنّا نراكم: نفحات طيب عتيق حديث معا, شذى كرامة صلدة كريمة, حدشا يرسم ملامح المشرق الآتي,قدرة  ابتكار  و خلق ,براعة مناورة ومداورة ,دقّة رمل خصب يتسرّب  يتسلّل  ينطلق, فنّ بقاء و نماء, اندفاع عزم لا يعصر و لا يكسر , اشتهاء تاريخ جديد يقطع يتجاوز  يتعدّى يتحدّى , فرح طفولة عذبة  بكر يتصدّى  يكبر يينع يزهر يثمر...

فجأة حاصرتمونا:
حاصرتمونا حصار المحبّ العاشق الصبّ , خلخلتم ركودنا, عطّرتم الآسن منّا , لملمتم ما ساح منّا , شبّبتم ما شاب منّا , أطلقتم عنان نفوسنا نزعتم كآبتها تشاؤمها خنوعها...
و من دون أن ندري:
من دون أن ندري أخذتمونا إلى شبابنا طفولتنا حلمنا عشقنا أيّامنا العصيبة الحلوة...
ومن دون أن نعي ما يخضّنا يدغدغنا يهزّنا  يسحبنا يدفعنا وحدنا كياناتنا تنجذب إليكم تتوّحد معكم تنصهر في تيّاركم.
و الكشهد كالزهر كابنة الكرم و الكرم حلّقتم بنا نحو الغيم الطيّب , الصفاء الصافي , العزّة الأبيّة , النّور النيّر المنير , البهاء الأبهى...
فطردنا:
طردنا الخوف و الرهبة ورجفة الركبتين و إشفاق من له شيء من شحك و مصلحة, و تردّد المرهق المتعب المنهك المتهالك المرتاح مع دونيّته
و استعدنا:
استعدنا عزّة النفس و النزوع إلى السؤدد و التعلّق بالقمر.

و حلّقناّ:
حلّقنا معكم و إيّاكم .
و قلتم:
قلتم: فليكن. فكان .كان و يكون. و سيظلّ يكون.
قدتمونا:
قدتمونا إلى نهايات كففنا عن الحلم ببلوغها. قدتمونا إلى بدايات أعادت إلينا بسمة الرضيع , ضحكة الحامل, فرحة الشيخ, توّثب الفتى,
فرجاء:
رجاء كما قدتمونا قودونا و لا تنقادوا لادّعائنا و زيفنا و خرفنا و هلعنا و مناورتنا و تعسنا. و لا تنخدعوا بنا.
فأنتم:
أنتم الأمل و الثمل و العزم و الفعل و ... تحقيق الحلم المستحيل البهيّ البليغ الشهيّ الممكن.
01-02-2011