2 juil. 2011

اكتشفت تونس الشباب التي لم أكن أعرفها يوم 14 جانفي أمام وزارة الداخلية

الصادق بن مهني شخصية ربما يجهلها البعض ممن لم تتسن لهم الفرصة للقائه او سماع اخباره  لكنه  في اوساط بني جيله خاصة  من رفاق درب النضال غني عن التعريف وبات معروفا اكثر لدى شباب « المدونين»  ما بعد 14  جانفي حين انكسر جدار الصمت وتعالت اصوات الكهول والشباب ذكورا واناثا تنادي بالخلاص  من اوجاع  الماضي  وتهتف املا في الحرية ولعل ذلك كان اجمل هدية تقدمها الثورة للشعب هدية التلاقي والالتحام يدا بيد شيبا وشبابا بعد سنين من الفرقة والشتات نزفت خلالها البلاد الغالي والنفيس.
 هو اذن حقوقي من مناضلي اليسار التونسي «آفاق»  ثم «العامل التونسي»  عرف العمل السياسي  السري ما بين سنة 1973  و1974  ثم حوكم سنتي 1974 و1975 ليقضي قرابة ست سنوات  في سجون بورقيبة .
الصادق  بن مهني هو ايضا من مؤسسي  فرع تونس لمنظمة العفو الدولية ومن المولعين بالعمل الجمعياتي «جمعية صيانة جربة»  و«جمعية جربة  الذاكرة»  وليس  اجمل من الوفاء لمسقط الرأس.
 استقال مؤخرا من اللجنة الوطنية للتقصي في قضايا الفساد والرشوة وهو ما سنعرف تفاصيله في الحوار التالي:

كيف انضممت إلى اللجنة الوطنية للتقصي مسائل الفساد والرشوة ؟
 بعد 14 جانفي قررت ان اكون مع ابناء شعبي في الشارع  وفي جميع الاعتصامات والمظاهرات اعبر عن افكاري ومواقفي بواسطة مدونتي وعبر الفايس بوك وعبر الكتابات الصحفية .
 لكن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة الي فانضممت  الى اعضاء  الشبكة الوطنية  لمقاومة الرشوة والفساد. وهي منظمة غير حكومية  تأسست في 22 فيفري 2011.
دوافعي في ذلك الإنضمام كثيرة، اولها قناعتي  بان الفساد هو سبب البلية  لا سيما في وضع لا يوجد فيه فصل بين السلطات ووجود هيمنة الفرد الواحد والحزب  الواحد على القرار  وافساد  العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بالرشوة والمحسوبية.
 لذلك  اقررنا في الشبكة منهجا وخطة عمل تطوعية تنبني على التحسيس بأهمية الفساد في تعطيل عملية التنمية العامة وكسر جميع تعابير الانشطة السياسية والإجتماعية والاقتصادية .
 دافعي الثاني في ذلك هو الايمان  الكبير والمشترك بين جميع اعضاء الشبكة لفهم ومعرفة كيف تسرب الفاسد وكيف تحول من استثناء الى قاعدة وساد جميع ميادين الأنشطة وجميع الجهات وتسلل إلى جميع أوجه الحياة اليومية لأنه دون تفكيك الظاهرة لا يمكن أن نصف علاجا لها أو نبني منظومة للمقاومة.
ثالثا أردنا مساعدة المتظلمين على تكوين ملفاتهم وتوجيههم وحتى مساعدتهم عدليا وقضائيا.
رابعا سنعمل على اعداد دورات تكوينية لفائدة القضاة والشرطة العدلية وهيئات الرقابة والصحافيين فيما يهم تقنيات التقصي والتحقيق والمتابعة التي تحترم القانون وتسمح ببلوغ الأهداف.
سنعمل أيضا على المساهمة في انجاز وإرساء منظومة شفافة بتعميم مبدإ حرية النفاذ إلى مصدر المعلومةونشر الموازنات ومصادر التمويل وكيفية الانفاق وفي هذا الصدد وباعتبار أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية أقررنا أن نسهم في تعميم الشفافية على الانتخابات في ما يهم مصادر تمويل الاحزاب والقائمات المستقلة لحملاتها ولمقاومة شراء الأصوات ولنا في هذا خطة تقوم على تكليف ملاحظين يقع تكوينهم مسبقا في كيفية مراقبة شراء الأصوات.
في الأثناء تكوّنت لجنة وطنية في اطار مرحلة انتقالية للتقصي في حالات الرشوة والفساد ابتداء من تاريخ نوفمبر 1987 فقررت الانضمام إليها بصفتي عضوا في الشبكة آنفة الذكر لانني أعتقد أن منظومة الفساد شديدة التعقيد لذلك وجب المشاركة فيها بشكل موسع لا أن تقتصر على المحامين والصحافيين وباقي عناصر المجتمع المدني.
ورغم تحفظنا على هيكلتها وتفرد رئيسها (عبد الفتاح عمر) بالسلطة وخاصة في ما يتعلق باختيار مساعديه وعدم وضوح استراتيجية عملها قلنا لا بأس من الانضمام والإسهام في تطويرها.
لكنّ ما اكتشفته هو أنّ الجمعيات المناضلة في مجال الشفافية ومقاومة الفساد عددها ثلاثة والباقي يمثلون جمعيات مهنية.
هل يعني أن ذلك هو سبب انسحابكم من اللجنة؟
ـ في الحقيقة الأسباب كثيرة، لمّا اجتمعنا اجتماعنا الأول طرحت مع عدد من الأعضاء مسائل متعلقة بضبط استراتيجية عمل اللجنة وأولوياتها ومناهجها وكيفية سير عملها الداخلي والعلاقة بين الهيئتين العامة والفنية فاكتشفنا أنّ الهيئة العامة ليس لها حقّ الاطلاع على الملفات وأن دورها مقتصر على اعداد ملتقيات تكوينية وخطط وتصورات للمستقبل. وكان ذلك التساؤل الأول الذي طرح أمامنا...
الإشكال الثاني طرح في مستوى الخطة الاتصالية، فالفساد في نظرنا لا يهم بن علي وليلاه فقط، إنّما هو منظومة متجذّرة في جميع الإدارات والجهات وبالتالي لا يمكن مقاومتها بمجرّد استعراض ملفات بن علي انما بعرضها على الشعب بكل تفاصيلها حتى يعرف جميع الحقائق المرّة الى جانب ذلك لم تكن مقترحاتنا تطبّق إنّما توضع على الرفّ بعد الترحاب بها.
ومع أنني أدركت أنّه لا يمكنني أن أواصل العمل معهم الا أنني واصلت ذلك رغبة في الإقناع والتجاوز ففوجئت بصاعقة أشدّ تتمثل في مشروع مرسوم حول تطوير عمل اللجنة يهمّ حماية الشهود والمبلغين وكذلك يهمّ مبدأ مراجعة القضايا التي حكم فيها بشكل فاسد حتى وإن أدركها التقادم وهذه مسائل أدعمها لكن المرسوم ينصّ على امكانية إعفاء من العقاب من يتقدم الى اللجنة عن طواعية ومن تلقاء نفسه للإبلاغ عن مساهمته في عملية الفساد مهما كان الدور الذي لعبه فيه.
في حين أن الممارسات الدولية كلّها تقتضي رفض تمكين الفاسدين من الهروب من العقاب ومن أيّة حصانة طالما لم يساءلوا ويحاسبوا وهوما يعرف لدى العام والخاص بمبدإ المساءلة فالمحاسبة فالمصالحة. فأعلنت إنسحابي خاصة وأنّ مشروع المرسوم يتناقض مع المعايير الدولية المعمول بها في التقصّي ويتناقض مع مطامح الشعب التونسي في الاطلاع على مدى إنجاز عملية التقصي وكشف عملية النهب لمقدّرات البلاد ويمكّن عمليا (المرسوم) من عدم محاسبة الفاسدين.
أليس في هذا الانسحاب «تناقضا» مع دوافعك وثوابتك في فكّ خيوط أخطبوط الفساد؟
ـ دعيني أؤكد بأنّ انسحابي في جانب كبير منه هو دعم للجنة من حيث تحريك النقاش داخلها وللدفع في اتجاه وتطوير عملها، لكنّ يبدو لي أن اللجنة ترفض أيّ نقاش وتصرّ على الانفلات وعلى مشروع مرسومها الذي أعلنت على الملإ أنني سأقاومه بكل اصرار.
نعود الى الوراء قليلا، ماذا تعني أحداث 14 جانفي للصادق بن مهنّي؟
ـ في ذلك اليوم كنت على بعد بضع أمتار من وزارة الداخلية تحديدا من مكان تعذيبي، كنت كلما مررت من ذلك المكان أنظر باتجاهه إمعانا في تذكّر أيام التعذيب التي عشتها هناك. لكن يوم التحمت الجماهير وعلت الأصوات تنادي بالحرية لم أعد أنتبه لا للمكان ولا للذكريات.
في ذلك اليوم أيضا اكتشفت تونس جديدة لم أكن أعرفها كفاية ألا وهي تونس الشباب والشابات الجريئين والجريئات المهووسين بالحرية والعازمين عزما صريحا على الانتصار. إحساس كان فيه جانبان فرحة بأنّ الجمهور كان هناك بمختلف الأجيال والأطياف والفئات الاجتماعية باعداد كبيرة منهم من كانوا من رفاقي ورفيقاتي من الذين ناضلت معهم في سنوات السبعينات وكان برفقتهم أبناؤهم في سنّ الشباب. شعوري الثاني كان من نوع وهو شعور «بالعار» باعتبار أنّ أجيالنا من سنّ 45 فما فوق لم نقاوم كفاية وحتى عندما قاومنا فشلنا ولم نبتدع أشكالا جديدة ناجعة للمقاومة وبالتالي ساهمنا في أن تصل تونس الى درجة من تعطّل التنمية ومن الخواء الفكري والسياسي والاجتماعي وأصبحنا بذلك مجرّد رعايا في دولة سلطانها سارق مارق.
فنحن كجيل لم نؤد دورنا كما يجب تجاه بلادنا وتركنا لأولادنا وبناتنا ولأجيال المستقبل تركة صعبة وعسيرة وحتى من صمد منّا بأن لم ينخرط في منظومة الفساد بأنواعه فإنّه في اعتقادي لم يبذل جهدا كافيا.
هذا اعتراف بأنّ الشباب فاق جيلكم في النضال وحقق ما لم يحققه آباؤهم؟
ـ أنا أفتخر بأنّ شبابنا الذي اعتقدنا أنّ ليس له اهتمام بالشأن العام ولا بالسياسة هو في الحقيقة قادر على الصمود والتصدي وعلى الانتصار بطرق جديدة وبأشكال لم نتوصل لها نحن من قبل، لقد تجاوز التنظيمات الهرمية الى تنظيمات جديدة خطية للفرد فيها حريته واستقلاليته وشخصيته الخاصة به مع ارتباط ذلك بالتزامه مع المجموعات وهنا أقصد المدونين وشباب الانترنات الذين اعتبر نفسي قريبا منهم جدّا فهؤلاء الشباب عند انطلاقتهم لم أكن أفهم الكثير مما يعملون لكن مقابل ذلك صدمتني التلقائية لدى الكثير منهم وخاصة كتاباتهم في كل شأن لاسيما في الشأن العام خصوصا مع انطلاق حملاتهم لفائدة الطلبة الممنوعين من مواصلة الدراسة وصدّهم للرقابة وقتها فقط بدأت أهتم بهم ورأيت في ما يعملونه شكلا من أشكال المقاومة.
لقد صدمني إصرار العديد منهم على الإمضاء بكامل أسمائهم وعلى ذكر تفاصيل أنشطتهم وفي ذلك مخاطرة أمنية كبيرة خاصة وأنا مناضل ربيّت على السرية والعمل السري فعندما تصدّوا بنجاح لعملية الرقابة على الانترنات بدأت أحس أنهم قد يمثلون حلا.
بعد سنين قضيتها في سجون بورقيبة هل واصلت النضال أم اكتفيت بالصمت?
النضال العميق في تقديري الشخصي هو الذي يمس الوعي الجمعي والثقافة لذلك حاولت أن أناضل في مستوى الثقافة والفكر من خلال كتاباتي الصحفية في جريدة «الجزيرة» الجهوية التي تصدر في جربة شهريا وذلك منذ أكثر من 25 سنة عبرت فيها عن مواقفي في حماية البيئة والتراث والاقتصاد الوطني كما عملت في ميدان النشر ومكنت أصواتا جديدة وبجهد تطوعي من إنتاج أبحاثها ورواياتها.
لقد كان حلمي كبيرا في أن أصبح صحفيا لذلك عملت على مساعدة عديد الأقلام للبروز ورغم أنني خريج كلية الآداب اختصاص لغة عربية الا أنني منعت من التدريس فلم يكن ذلك الا حافزا على مزيد الإصرار على تحصيل مزيد من العلوم، فأنا خريج جامعة لا مثيل لها هي جامعة السجون وخصوصا برج الرومي التي تعلمت فيها الانسانيات بجميع أنواعها.
نعم لقد مكنتني المدرسة السياسية والمدرسة السجنية من بناء معارفي حتى لما التحقت للعمل بجمعية غير حكومية كباحث اقتصادي واجتماعي انفتح أمامي المجال لأدرس الفقر في الأرياف التونسية ثم جاءت فترة انفتاح سياسي فالتحقت بالعمل في وكالة التهذيب والتجديد العمراني كباحث في الأول ثم بكفاءتي دخلت مجال البحوث الميدانية حول وضع السكن في المدن والأحياء الفقيرة. تعلمت أيضا مهنا أخرى متعلقة بالتخطيط والبرامج والتعاون الدولي والشؤون العقارية والنزاعات ثم التحقت بمؤسسات أخرى أقول ذلك لأؤكد بأن ما ندرسه في المدرسة شيء وما نتعلمه في مدرسة الحياة شيء آخر.
كيف قاومت ما كنت تراه من فساد... في زخم هذه المسؤوليات?
أعتبر نفسي صمدت كثيرا في عملي لأنني كنت في مواقع فيها أطماع كبيرة وكنت عرضة فيها لكثير من الإغراءات والضغوطات لكن أعتقد أنني قاومتها بشدة ولم أتنازل ولو مرة واحدة في كل ما هو فساد إداري أو عقاري أو مالي. قبل 14 جانفي كنت أنظر إلى ذلك على أنه شيء كبير لكن بعد ذلك التاريخ أصبحت أنظر إلى ما فعلته على أنه الحد الأدنى وأني كنت مقصّرا جدا.
وهنا أطلعك على أمنية طالما حلمت بتحقيقها ورغبة جامحة كانت تأخذني من حين إلى آخر وتحديدا منذ فترة التسعينات وهي أن أكتب كتابا ثم أحرق نفسي في شارع الحبيب بورقيبة كحركة سخط واعتراض واحتجاج.
في ظل هذه التعددية الحزبية هل تعتقد أن التونسي سيحدد خياره الصائب...?
الأحزاب لا تهمني كثيرا لأنّ السياسة عندما تتولاّها الأحزاب تحكمها الحسابات والذاتية وتبعد عنها المصلحة العامة والمصلحة التفصيلية، فظاهرة تعدّد الاحزاب هي ظاهرة عرفتها كلّ البلدان التي عاشت تحولات من نظام مستبد إلى نظام يسعى إلى أن يكون ديمقراطيا وهي في حقيقة الأمر ظاهرة طبيعية في مجتمع كانت فيه المعارضة متشرذمة ومقموعة وسرية، لذلك أعتقد أن كثيرا من الأحزاب ستسقط وتنحل من تلقاء نفسها وأخرى سيجتمع شملها. بالنسبة إلى الانتخابات يجب أن نفكر حسب منطق القائمات باعتبار أن كل ولاية سيكون عندها قائمات ووفقها سيختار الناخبون المترشحين.
أنا أعوّل كثيرا على المجتمع المدني وعلى ضغطه على الأحزاب وعلى الحكومة وغدا الضغط على المجلس الإنتقالي.
أنت من مؤيدي التناصف...
أعتقد أن المجتمع التونسي مرتكز على المرأة، فهي تتحمل العبء في المنزل وخارجه في العمل  والمرأة التونسية أثبتت أنها جدية وصورة وكفأة في تحمل المسؤوليات ومثال ذلك نتائج الباكالوريا لهذه السنة 61 بالمائة من الناجحين هم من الإناث، أسوق مثالا آخر في منطقة الذهيبة عدد المترشحين للباكالوريا عددهم 23 طالبا منهم إثنين ذكور والباقي بنات.
وفي جميع القطاعات، الصحة والتعليم والفلاحة وغيرها تسيطر أيضا نسب الإناث لذلك فأنا لا استطيع أن لا أحترم المرأة فهي على الدوام كانت القائدة في صمت وهي الفاعلة في صمت وهي المعذبة وأيضا في صمت.
 يوم 14 جانفي في شارع الحبيب بورقيبة كان أيضا عدد البنات يوازي أو يفوق الذكور.... أختم وأقول بأن الرجل مبني على الفساد والأنانية عكس النساء على العطاء والبذل.
لذلك فأنا أحلم بغد أفضل لأبناء بلدي تكون فيه المرأة حققت مكانتها الحقيقية بوجودها في مواقع القرار السياسي والتشريعي.

أجرت الحوار:نورة العثماني

1 juin 2011

أحمد العثماني


أحمد !
جمع الصّمتُ بيننا لزمن قبل أن ترحل، ومذ رحلت.
غير أنّه لا الصّمت، ولا المسافات، ولا القيل والقال، ولا السّؤال حَسَنُ النّيَةِ أوسيئها، ولا الموت، ولا الرّحيل عبر الحدود ونحو الأثير، ولا شيء-لا شيء البتّة- يمكن أن يقطع حبل التّواصل بيننا. فمن اجترح ما اِجترحنا، ومن شرب ممّا شربنا، ومن اكتوى بما اكتوينا منه، ومن ارتاد الدّروب التي ارتدناها، ومن حلّق بعيدا وعاليا كما حلّقنا بعيدا وعاليا يتواصل حتّى بصمت وفي الصّمت...

ردّاوي !
أتذكر كيف طلبتني ذات يوم والليل يخيّم أو والفجر يولد –لم أعد أذكر- وجئناك-نجيب وأنا-عند السّكة نراوغ من وراء خطواتنا أشباحا تطاردنا ؟
كنت لا أعرفك إلاّ عَلمًا، اِسما، رمزا، وحُلُمَ لِقَاء.
وتجنّبناكُ-، فررنا منك فنجيب لم يعرفك بلحية ونظَارتين وسيجارة... -ثمّ بعد ذاك، كان اللقاء: شدُّ إزرٍ، ووتعليمات عجلى، وحملٌ ثقيلٌ ألقيتَهُ على عاتقي...
وظللنا نناور ونسير متخفّين لكن نسير، وظللنا نجمّع أشتات أحبّة فرّقت صفوفهم عصا الجلاّد ومداهمات العسس حتّى...
وقعتَ.
ولم نقع إثرك... فأنتَ قد صمَتّ مرّة أخرى.
واِزددت رِفعة مقام، ونصاعَةَ مثال، وأصبح الهدفُ أعلى وأعسرَ !
ودون سابق إعداد أو تخطيط وَجَدْتُنِي في دَوْرِكَ : في رأسي همومك، وفي قلبي أحلامك، وفي قدميّ حذاؤك !

وبِنَفْس الإقدام الطّفوليّ والتحفّز ذي الأصل البدويّ والتّوق الذي لا يَعرف لا حدودا ولاعقلانية ولا عقالا، اندفعتُ أواصِلُكَ...
...حتّى وقََعْتُ.
ولمّا وقعتُ كان في بالي : مثالك، وازدراءُ رفيقٍ لم ينفكّ يرغب منّي أن أثقّف نفسي لأصمدَ...إلى حدّ ما.
...ولم أخيّب ظنّك... ولم أُحبِط عزمي.
وبعد زمن لاقيتك... كُنْتَ في بنزرت على قمّة الجبل منذ فترة. وكُنتُ قد قدمت إِلى هناك منذ أشهر بعد أن نُقّلتُ من حبس لحبْسٍ لحبْس... هل تذكر كم ضحكنا عند ما قلتُ لك ذات مرّة أنّني بدأت أعرف أرجاء بلدي التي لم تكن على مسار جربة-تونس وأنا في السّجن : من تلك الثقوب الصّغيرة على جنبات علب السّردين أو "قفف السلاطة" التي كانت تحملنا؟

عثماني !
هل تعلم أنّ عربات نقل المساجين غدت بلا ثقوب على جنباتها ؟

يا السّارحُ !
ولكن ما بالنا قد سرحنا. لنعد إلى هنالك، إلى البرج.
أذكر كيف أطللت علينا ذات مرّة فجأة وكنت قد تحدّيت ما لا يقلّ عن ستّة جدران عالية لتبسم فينا وتلقي إلينا بفكرة...
ما أروع اختلاس البسمة-النظرة في غفلة العسس وما أشهى إبلاغ الفكرة من وراء الجدران الشاهقة- العيون المرتابة- السلاح المشهور ! ! !
ثمّ اِلتقينا : لزمن الفسحة فحسب بدايةً، ثمّ لتؤوينا معا نفس الحيّزات التي كانوا يريدونها قبرًا لنا، وجعلناها جامعَةً متعدّدة الاختصاصات والأبعاد- سهلا للفكر المتعدّد-رحبا للمرح- منزلا للأحلام- وأنبت رشيد فيها النّوْرَ فتسلّقت الأزاهير القزحية سوق الحيطان- ومنح النّوري اسمه الحركيّ لقُطَيْطٍ وُلد ذات ليلةٍ على برنس محمّد وتبنّيناه كلّنا- وأضاء نور الدّين ليلاتنا كلّها بقهقهات أحلام كم كنّا نترجّاها كلّ ليلة.
كم ناقشتك، وكم أهديتني وأهديتك عبق رسائل قادمة من الأبعاد وكم قرأ كلّ منا للآخر ما حبّره للأحباب، وكم عانقت معك طيف "سيمون" ورأيتك تقفز من الواقع إلى صور وصلتك، تدخل فيها وتنصهر وكم استمتعت ببسمتك الطفولية وأنا أتبعك إلى شواطئ "كورسيكا" وشوارع البندقية ومنزل "كلوئي"...
وكم تنادينا مع رفاق –إخوة- أصدقاء إلى فكر-نقد- حوار، أعدنا فيه تفصيل العالم- جرّحنا ذواتنا- وأعدنا رسم ملامح الشّمس  القادمة !

أحمد رفيقي-صديقي- أخي !
ثمّ بعد لأي خرجْتَ- خرجتُم. ووجدنا فيكم نعم السّند... حتّى خرجنا أيضا.
ما أبهى اللّقاء الذي كان. وما أيسَرَ أن  تُعيدَ تعلّم المشي وأنت تستند إلى من بدأ يعيد تعلّمه  قبلك !
ولأنّ رؤوس- قلوب عديدين منّا كانت قد اِلتقت حول هدفين : حقوق الإنسان والثّقافة... فقد تظافر العزم بيننا حتّى ولد الفرع التّونسيّ لمنظّمة العفو الدّولية دون ترخيص، وفي ديارنا أوّلا، ثمّ برخصة كم احتفينا بها وهلّلنا لها علما مضيئا يقول للآخرين : ها نحن ننجح مرّة !
ويقول لمن شدّوا إزرنا : ها نحن نشدّ بدورنا إزر أمثالنا !

أبا ياسين !
أراك الآن وأنت تحنو على رضيعك، وفي عينيك وعيني "سيمون" أنجم تتلألأ، وعلى محيّاكما رقّة حبّات رذاذ البحر المتناثر على عاشقين.

رفيقي –صديقي- أخي أحمد بن عثمان  العثماني الردّاوي !
أحسّني مدفوعا اِلى صمت –صمت من نوع آخر... فلنترك للخواطر أن تتولّى مواصلة جمعنا في رِفقٍ ودون منطوق كلام حتّى...


                                                                       مـــــــــارس 2009 

إن عادوا عدنا!

لم أخفِ أبدًا ولا أخفي ولن أخفي يوما أنّ لي أصحابا ومعارف وحتّى أصدقاء انتموا "للتجمّع الدّستوري الدّيمقراطي"، وقد يكون بعضهم قد قدّم في إطاره خدمات حتّى من تلك التي يمكن وصفها بغير المشروعة والفاسدة.
ذلك أنّ الأيّام علّمتني أن لا أبيض مطلقا وأن لا أسود مطلقا.
كما أنّ الأحداث علّمتني أنّ في البشر شرّ وخير وبِشرٌ وسوء في آن واحد ومعا، وأنّه ليس من المحتّم علينا أن نؤمن أن "البشر ثلثاه شرّ" في كلّ آن ومكان.
أصحابي ومعارفي وأصدقائي الذين انتموا للتجمّع الدّستوري الدّيمقراطي جمعتني معهم أو مع غالبيتهم، رغبة منّي في أن أفيد بلدي وجزيرتي- عبر بعض من الأعمال التي كنت أحرص عليها تطوّعا – أو حتّى في إطار نشاطي المهنيّ كـ"خديم للدّولة"... تلك الرّغبة تحوّلت إلى حرص، فأصبحت أسعى إلى أن أميّز بين تمسّكي بعقيدتي وأهوائي وحتّى خياراتي وبين ما تفرضه الحياة ضرورةً من واجب نفع الآخر والانتفاع منه أيّا كانت عقيدته وأهواؤه وحتّى خياراته طالما أن النفع والانتفاع يحصلان عن وعي من الطرفين وبما لا ضير فيه لكليهما أو لأحدهما، وبما لا يشوّه عقيدتي وأهوائي وخياراتي وأخلاقي...
الأمر لم يكن هيّنا، بل كان أحيانا كالسير في حقل مهمل استوطنته الأشواك، وأحيانا أندر حتّى كالمشي في حقل ألغام.
كما أنّني لم أكن قادرا في كلّ الأحوال والحالات على التجرّؤ على الجهر بتقزّزي أو تبرّمي أو احتقاري لموقف أو فعل أتاه هذا أو ذاك... بل إنّني كنت أجدّ أحيانا لأجد لنفسي مبرّرا للصّمت كأن أقول في نفسي أنّه طالما لم يتعلّق الموقف أو الفعل بما نحن مشتركان فيه فهو لا يستدعي منّي، ضرورة، ردّ فعل، أو كأن أقنع نفسي أو أوهمها بمقولة "الصمت أبلغ من الكلام أحيانا" وأكتفي بأن أوكل لعينيّ ولشرودي مهمّة الإبلاغ...
وأنا الآن، وهنا، أعترف أنّ ذلك كان خطأ منّي... أقول خطأ ولا أقول جبنا... فأنا لم يكن لي ما أخاف عليه، ولم أكن أخاف الخوف متى داهمني... أقول خطأ لأنّني لم أعَامل أصحابي ومعارفي وخصوصا أصدقائي المعنيين باحترام صادق، فالاحترام يعني، ضرورة، المكاشفة والمصارحة والاعتراض وحتّى التعرية والقطيعة... وقد أكون بذلك أسهمت في تماديهم... وأقول خطأ لأنّني لم أعط حقّ نفسي بتمييزها تمييزًا قاطعا وكليّا وبيّنا عمّن لهم عقيدة وأهواء وخيارات وأخلاقيات هي على طرفي نقيض مع عقيدتي وأهوائي وخياراتي وأخلاقياتي...
وأقول خطأً لأنّني بحثت عن فائدة عامّة-كانت شحيحة أغلب الأحيان- فكلّفت نفسي عناء فكريا –كان في الغالب شديدا- وعرّضتُني لأن أعيش على الدّوام صراعا نفسيا مريرا ولأن أكون -غالب الوقت- مضطرّا إلى حرق أعصابي تيقّظا وإيغالا في التحليل والتخمين والمشي على شفا هاوية...
لن أطيل الكلام في هذا... ولكن ستكون لي فيه عودة...
وأرجع الآن إلى منطلق موضوعي هذا لأقول أنّني منهك ومحبط ومريض وساخط وغاضب لأنّ بعضا من أصحابي ومعارفي وأصدقائي الذين انتموا إلى "التجمّع الدّستوري الديمقراطي" وقد يكون بعضهم أدّى –بل إنّ بعضهم قد أدّى فعلا- خدمات هامّة لهذا الحزب الذي أطلقت عليه الجماهير الثائرة لقب "جلاّد الشعب" وللعصابة التي كانت تحكمه ولبعض من نهبوا مستقبل شعبنا ومنعونا من التنمية والنهوض والتحليق، بدؤوا يطلّون على الناس من هنا وهناك من على منابر مختلفة منها جريدة "الجزيرة" ليغتصبوا الثورة لذواتهم وليحشروا أنفسهم ضمن الجماهير المتمرّدة، وليذرفوا الدّموع على ما أصابهم من أذى من قبل النظام البائد، وليعرضوا خبراتهم وكفاءاتهم ويتصدّروا...
بعض أصحابي ومعارفي ممّن خدموا النظام البائد بل وحتّى ممّن حنوا هاماتهم، وشربوا كؤوس الذلّ، و"لحسوا الحيطان" ونظّروا للخنوع، وألّهوا الحثالات وأجازوهم، وساهموا في كسر معاقل النضال، انسحبوا أيّام الثورة الأولى واختفوا وتحاشوا... ثمّ فجأة انبثقوا كالفطر السامّ، ولأنّهم –فيما تبيّن لي الآن- لم يكونوا لا غالطين ولا مُغَلّطين، ولا منساقين عن سراب أو جزع بل تلك كانت خياراتهم الطامحة والطامعة والذليلة والفاسدة، فإنّهم قد تجرّؤوا على أن يبوّؤوا أنفسهم مكانة الريادة والقيادة والطّلائعية وبعد أن حشروا قاماتهم القميئة بين الجماهير، هاهم يتسلّلون إلى الصفوف الأمامية برومون الفوز بفتات ويتهيؤون لخدمة أسيادهم لو عادوا، ويستهدفون إيقاف عجلة التاريخ ويتلوّنون بألوان جديدة رائحتها بنفسجية الطابع والهوى والطاعة منها ما هو أحزاب لا حاجة للبلاد بها ومنها جمعيات كان من الأجدر أن يتعلّموا منها لا أن يركبوها ومنها تدخلات إذاعية وتلفزية وصحفية كان من الأنسب لهم أن يتحاشوها حياء ...
لهؤلاء –ومنهم من لهم صلة بجريدة "الجزيرة"، صلة اطّلاع أو حتّى. صلة حضور -  أقول : لقد كانت بيني وبينكم مودّة، وكان لكم في نفسي شيء من تقدير، ولذلك كنت أتوقّع منكم إمّا صمتا وانسحابا وحياء، أو مراجعة للنّفس ونقدا ذاتيا وتسخير أنفسكم لخدمة شعب أسهمتم في تعطيله حيث يمكنكم خدمته دون ادّعاء ولا غرور ولا تغرير.
ولهؤلاء جميعا أهدي النصّ التالي الذي كنت كتبته لما اشتدّ نواح المتباكين على"التجمّع" وزكم أنوفنا عويلهم...
أرجوا أن يفهم من عليهم أن يفهموا !
وأختم : "إن عادوا عدنا!"   
                                                                 25 ماي 2011

30 avr. 2011

إلى المتباكين على "الإقصاء" اعتذروا أوّلا !.




سألني – وهو التجمّعي القاعدي الذي اعتاد الاستجابة غريزيا  لكلّ حملات المراقبة والمتابعة واليقظة –عن موقفي بخصوص الحيلولة دون التجمعيين ودون التقدّم إلى انتخابات المجلس التأسيسيّ.
ودون أن أفكّر أو أحسب أو أناور أو أتكتك أجبته على الفور : "من الطبيعي جدّا أن يحال دون المسؤولين عمّا عاشته بلادنا طوال عشريات الاستقلال من قمع ونهب وفساد واستغلال بشع وتعطيل للتنمية ولانطلاقة البلاد نحو سماوات جديدة لا تعنيهم-.من الطبيعي جدّا أن تحرص الثورة على أن لا يكبّلها من اعتادوا تكبيل الشعب ومنع وثبه بل وحتّى توثّبه... ثمّ إن مشروع القرار لا يمنع التجمعيين كلّهم بل بعضهم من الترشّح ولا يمنع أيّا منهم من حقّ الانتخاب... الذين سيمنعون هم من كانوا فاعلين منهم ومن كان لهم شأن في اتّخاذ القرار وفي التنفيذ على الميدان... ولا أعتقد أن أحدا سيدافع عن فاسدين وماكرين وطمّاعين وانتهازيين ومعتذين..." وسألني آخر –وقد اتّضح لي من كلامه أنّه كان من شباب التجمّع النشيطين- إن كان من المشروع أن يحرم هو الشاب المتعلّم من إعادة بناء ذاته ومن الإسهام في بناء بلدنا الجديد بما ييسّر تجاوز خطايا ارتكبها حزب انتمى إليه كغالبية المنتمين عن لاوعي أو لاإرادة أو عنوة أو إرثا أو طبعا أو تطبّعا أو لخوف أو رجاء... فأجبته أن المنع حسب ما أفهم لا يطال جميع من كانت لهم بطاقة انخراط في التجمّع ولا حتى جميع من كانوا ناشطين ضمن صفوفه بل هو يطال كل من ثبت عليهم فساد وإفساد وتزوير انتخابات وتغليط ومغالطة واستكراش وغنم غير مشروع... فأضاف : "ألا يعني ذلك أن المنع يجب أن يتوقّف على المسؤولين في الديوان السياسي واللجنة المركزية ولجان التنسيق وكفى"... أجبته دون أن أفكّر أو أحلّل : "حدث أن ناقشت احتمال المنع مع أناس من آفاق غير العاصمة، فقال لي أحدهم : لا يهمّني المسؤولون الكبار بقدر ما يهمّني رئيس الشعبة وبعض أعضائها والعمدة والمتنفذون المحليون... فمنهم من لهف المال من الناس مقابل تمكينهم من بطاقة علاج مجاني، ومنهم من اغتصب بنات الفقراء مقابل فرصة تشغيل، وكلّهم زوّروا الانتخابات والإحصاءات والمعطيات.. ألا تعلم أن فرص التشغيل كانت تباع وأن المساعدات الاجتماعية كانت سلعة وأن الرّخص بأنواعها كانت محلّ سمسرة واستغلال، وأن الناس كانوا يسامون العذاب بتهم المعارضة وبالادّعاء بأنّ ليس منّا فهو ضدّنا، وأنّ كثيرين حرموا من العمل بل من العيش وعذّبوا وحتّى سجنوا لمجرّد عدم رضاء تجمّعي من شعبة أو خديم عمدة أو عون مرتش عنهم ؟!"
ولأنّ لي عطفا على الاثنين، ولأنّني تعوّدت أن أراجع ليلا مع عملته وقلته نهارا فلقد قضّيت ليلتين أفكّر في ما يسمّيه التجمعيّون وأشباه الصحافيين والجاذبون إلى الوراء وأعداء الثورة إقصاء... بل ويضيفون بشأنه أنه إقصاء من الانتخابات...
في ما أنّ ما يسمّونه إقصاء ليس في الواقع إلاّ حيلولة بين بعض الفاسدين-سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا ومدنيا- وبين أن يترشّحوا لمجلس غايته الأولى أن يقطع نهائيا مع ممارسات هم المسؤولون عنها مع قائدهم وزعيمهم وصانع مجدهم المتهاوي.
وتسارعت الأحداث : فاعلون في الانتقال الديمقراطي يفضّلون أن ينخرط تجمّعيون في الانتخابات درءا لانضمامهم إلى جحافل الرجعيين والظلاميين... تجمّعيون تعرفهم الصفحات الأولى لجرائد ومجلات بن علي –عبد الله ونشرات الأخبار الإذاعية والتلفزية يحتجون على "إقصائهم" هم و"ثلاثة ملايين تجمّعي" من الانتخابات لا أدري كيف حسبوا عددهم ثم من أقصاهم من الانتخابات كمنتخبين، أم أنّهم كلّهم مترشّحون؟!... تجمّعيون يقولون إنّهم ليسوا تجمّعيين بل دستوريون ويستخرجون رفات بورقيبة من قبره المغوليّ... مسؤولون سابقون يغلظون الأيمان أنّهم لم يكونوا يوما مسؤولين بل مجرّد "صبّابة ماء على يدين" في أحسن الأحوال... بعض من كنستهم ثورة الشباب يباركونها وينمّقون الكلام ليجعلوا منها ثورتهم المجيدة وتغييرهم المبارك ويطلبون بل يطالبون أن تترك بين أيديهم ليأخذوها إلى برّ الأمان ويتكلّمون –واعين أو من لاوعيهم- عن "رجوع المياه إلى مجاريها" " الأمور إلى سابق عهدها"... نهضة لم تكن النهضة أبدا غرضها، تفتح أبوابها عريضة لكلّ من هبّ ودبّ حتّى متى كان دمه وجلده وعقله وقلبه في لون البنفسج، وبنفسجيون لم يكن الخيار الفكري والانتماء العقائدي ولا الفعل السياسي همهم بل الاستحواذ والتنفّذ والتكسّب غير الحلال يبكون الحداثة والرخاء وازدهار الاقتصاد ويستهجنون الفوضى وكأنّهم ليسوا محرّكيها وصانعيها والمؤملين منها، ويدّعون الوسطية والعقلانية ويتباكون في جوقات تطرح شعارات ليست منهم وليسوا منها، ويهدّدون بالويل والثبور...
وصاحبي

الجزع على البلد والثورة يهاتفني مرّة بعد مرّة : "ما موقفك ؟ ما الذي يمكن أن نفعله ؟ إلى أين نمضي ؟ وكيف نكون أوفياء للشهداء والثورة ولا نحيد على مبادئ عشناها رغم الحيف وهي ونحن سواء ؟"
صحيح أن لا أحد يمكنه أن يدّعي أنّ هذه الثورة هي من صنعه هو وحده كلّها أو جلّها ! وصحيح أنّ كل الشعب التونسي بكلّ طبقاته وفئاته ومختلف ألوان طيفه قد ساهم في هذه الثورة : البعض بيده ودمائه والبعض بفكره ولسانه وبصموده ومعاناته، والبعض بقلبه ودعائه، والآخرون برجائهم وتمنّيهم...
وقد يفاجئنا التاريخ يوما بأن يظهر لنا أنّ نجاح الثورة ليس نتاج تضافر الفعل الشبابي مع نضوج الثمرة وتهاويها فحسب بل ساعدت عليه قوى أخرى خفيّة قد يكون بعضها حتّى من داخل النظام البائد والحكم الفاسد.
غير أن هذا لا يغفر لأولاد التجمّع وبناته عدم اصطفافهم مع الحراك الثوري وإن في ربع الساعة الأخير...
والتّاريخ لن ينسى أن نوّابهم ومستشاريهم قد حرصوا على شرب الكأس حتّى الثمالة وأنّهم تلقّوا منحهم حتّى المليم الأخير بل وأن بعضهم قد قاضى الدّولة سعيا إلى الحصول على المزيد حتّى بعد أن طعنوا أنفسهم وزايدوا على بعضهم البعض في مسرحية سمجة تسلّلوا إلى ركحها كالسّراق من أبواب فرعية ليست الأبواب المشرعة التي ألفتهم...
والمواطنون لن ينسوا أن لا أحد من هؤلاء النائحين المتباكين المردّدين لشعارات ليست من قاموسهم النوفمبري، والهابطين إلى التظاهر الذي منعوه منعا باتا على شعبنا إلاّ متى تعلّق الأمر بمسرحيات ولاء وتأييد مدفوعة الأجر والمنافع والمزايا مسبقا، المواطنون لن ينسوا أبدا أن لا أحد منهم وقف حتّى بعد 14 جانفي 2011 ليعلن على الملإ تضامنه مع المدّ الشعبي وتبرّأه من السارق الناهب القامع المتعجرف الذي هرب وتركهم يتامى وثكالى منه، وندمه أو أسفه على أنه أخطأ من تلقاء نفسه أو لأنّه غولط ... لا أحد منهم تصدّى لإخوانه في تجمّعه الذين واصلوا التدخّل بالهراوات والحرق وحتّى بالرّصاص، ولا فضح إخوانه الذين تآمروا ومازالوا يتآمرون في الجهات والبلديات بتجنيد من لا يصحّ تجنيد هم وبمواصلة الاستفزاز والابتزاز وتلغيم الأوضاع الاجتماعية والانتخابات القادمة وتشويه المشهد الحضري وزرع الفتنة ... لا أحد منهم راجع نفسه وخياراته وقدّم نقدا ذاتيا واضحا وصريحا... لا أحد منهم برهن بكلمة صادقة أو فعل خيّر أنّه مع طيّ صفحة النظام البائس، ومع دفن خزعبلاته الحزبية والسياسية التي كبّلت بلادنا ومنعتها من النماء والنموّ الحقيقيين... ولا أحد منهم تعدّى ترّهات الادّعاء بأنّه لم يكن شريكا أو متواطئا أو متخاذلا أو حتّى داريا بما كان يجري...
والشعب –شعبنا الذي تجاوزنا جميعا- لن ينخدع بالعويل والنحيب والدموع المفتعلة، فهو على اتّساع صدره وسماحة أخلاقه وتعاليه على المسيئين، وهو المستعدّ أصلا ودون أن يطلب منه ذلك طالب، للمسامحة والتجاوز، يريد أوّلا أن يحدّد الجميع مواقعهم الحقيقية بدون مناورة ولا خداع ولا بهتان، وأن يعترف المجرمون بجرائمهم، والمستكرشون بما نهبوه، والفاسدون بما أفسدوه والظالمون بآيات ظلمهم والذين كانوا مخدوعين بمن خدعهم، والضعفاء بأنّهم ضعفوا أو طمعوا أو هانوا... ثمّ يسامحهم ويغفر لهم.
صحيح أنه كان في التجمّع –وحتى في المواقع الأولى منه - وطنيون وشرفاء ونظاف... وأنا موظف الدولة الذي عمل مع عديد المسؤولين الإداريين والسياسيين لا يمكنني إلا أن أشهد بذلك...
لكنّني أخجل الآن من ذكر هؤلاء لأنّهم لم يتقدّموا من تلقاء أنفسهم ليظهروا صفاتهم تلك ويميّزوا أنفسهم زملائهم الذين انصاعوا وانقادوا أو تمّ ترهيبهم أو ترغيبهم أو شراء ذممهم... أخجل منهم لأنّني أحلّ محلّهم، وأخجل لهم لأنّهم لا يقدرون على تجاوز الحقّ والصحيح...
وأنا المواطن الذي اعترف على الملإ بخجله. بل وحتّى بشعوره بالخزي، لأنه لم يبذل كل ما في وسعه حتّى لا تعيش تونسنا الجميلة ما عاشته من إذلال وهوان، ولأنّه وإن حرص على النقاوة ودفع من أجل ذلك ما دفع فهو كثيرا ما تعايش مع الباغين وجاورهم ولم يدفعهم عن صدر هذا الوطن...
أنا المواطن الذي طلب الغفران على الملإ وكتابة  من هذا الشباب الذي سخرنا منه ففاجأنا واستبلهناه فتجاوزنا واستضعفناه فصنع لنا فجرا جديدا، أنا المواطن الذي يعتقد أنّه وإن لم يصغر ولم يهن ولم يتآمر ولم ينصع ولم يأتمر، فإنّه على أي حال لم يؤدّ كل ما كان مطلوبا منه أن يؤدّيه لهذا الوطن...أنا لا أقدر على فهم هؤلاء الذين كانوا ينضوون تحت تجمّع لم يجمّع إلاّ الفاسقين والسارقين والبغاة والمصطفّين المصفّقين الأتباع تجرّأ على نعت نفسه بالديمقراطيّ وهو العسف والميز والقمع والمنع والتفرّد والعجرفة ليس إلاّ ثمّ أضاف إلى اسمه الدستور وهو من حوّل دستور البلاد إلى خرقة، واستحلّ دماء الشهداء شرابا للدكتاتور وحريمه وقوّاديه... لا أقدر على أن أجد لهم مبرّرا أو أن أبتدع لهم عذرا... ولا أفهم كيف أنهم –هم الذين أقصوا الناس جميعهم، هم الذين أقصوا بلادنا عن مستقبلها، هم الذين داسوا المبادئ والقيم والأخلاق والمواطنة- يجرؤون الآن على التباكي نائحين : "لا للإقصاء" و "تونس للجميع"...
نعم أنا ضدّ الإقصاء ومع أن يسود الوفاق، ومع أن تينع ألف زهرة وتشعّ كلّ الأطياف وكلّ الألوان... ولكنّ الوقوف ضدّ منع التجمّعيين الفاسدين والمفسدين –أيّا كانت مستويات مسؤوليتهم – لا يصحّ حتّى يعترفوا بذنوبهم ويقرّوا بأفعالهم الخسيسة ويعيدوا إلى الشعب ما ابتزّوه ونهبوه ويعتذروا عن جرائمهم بأنواعها، ويمسحوا دموع ضحاياهم ويسخّروا أنفسهم تسخيرا للعمل التطوّعي حيث يمكنهم العمل دون ادّعاء قدرة أو خبرة أو ريادة.
كما أنّ إسناد التجمّعيين الإطارات الذين تحمّلوا مسؤوليات أولى لكنّهم لم يغرقوا في الفساد ولم يزوّروا لا يمكن أن يصحّ إلاّ متى تبرّؤوا من تجمّعهم وأزاحوه تماما عن الديمقراطية والدستور وصدر هذا الوطن المتعالي على جراحه...
الغفران والمسامحة والتجاوز قيم راسخة في شعبنا...
لكنّ شعبنا يرنو إلى الاعتراف والإقرار وإبداء الحقيقة ليغفر ويسامح.
وتونس للجميع وشعبها لا يقصي أحدا... لكنّ تونس لم تعد للنّهابين والطغاة وضعاف الأنفس، وشعبها لم يعد غرّا يغرّر.
فلتعتذروا أوّلا !


                                                                                                                                       الأحد 17 أفريل 2011