عزيزتي لينا !
قد أكون صدمتك عندما عبّرت أمامك صراحة أنّني "أصلّي" كي لا تكون جائزة نوبل للسلام من نصيبك...
ولكنّك، بكل تأكيد، فهمت تمنّي، وقبلتِه، بل وتمنّيته مثلي !
وإنّني لسعيد الآن ومطمئنّ بل مرتاح ومبتهج... ذلك أنّ الأيّام الحمقاء التي عشناها منذ ساعة الإعلان عن اختيارك للجائزة قد أقنعتني أنّنا في خطر بل عرضة لأخطار : خطر أن تختطفك الموت قتلا أو رفسا أو إرهاقا، أو جرّاء تقاطر المتقاطرين –أجهزة إعلام وصحافة وأشباه صحافيين، وطمّاعين، وأذنابا وهمّجا-، وخطر اِنقطاعك عن الحياة الحقّة (وهي في عرفك بساطة، وتقدّمك الاحتجاجات، ووجودك حيث تريدين في شوارع التمرّد ومقاهيه، وفي حلبات الصّراع كالقصبة، وفي ميادين الشهادة كالرقاب والقصرين، وعلى منصّات الإعلام الصّعب والمحاورات العسيرة) وعنّا وافتكاكك من قبل المناسبات والتحرّكات والمنابر الرّسمية ؛ وخطر أن يتهافت عليك متهافتون أنت الهشّة الليّنة الزهرة السّمحة ؛ وخطر أن تسرقك منّا ومن تونسنا الدّعوات التي لا تنقطع ؛ وخطر أن أستفيق ذات صباح فأجدُك منهارة من الندم على قبول الجائزة.
عزيزتي لينا !
أشهد أنّني كنت سعيدا وأحسستك سعيدة لحظة الإعلان عن الفائزين بالجائزة، حتّى أنّنا حرصنا على إبلاغ الخبر إلى العلاّمة يوسف الصّديق، مرافقنا على نفس الطّائرة، وهدّأنا معا من روعه لمّا رأيناه ينفث أسفه... وأشهد أن رحلتنا كانت هادئة وجميلة... وقرّبت بيننا أكثر... وأعترف أنّني أحسستُني أستردّك !
عزيزتي لينا !
أنا سعيد وفخور بأن تمّ اختيارك للجائزة، وبأنّهم احتفظوا بك في السّباق )حتّى وهو في الواقع ليس سباقا) حتّى القرار الأخير... وأنا أسعدُ الآن وقد انضممت إلى غاندي والأخت تيريزا وستيفان هيسال وآخرين أمثالهم ممّن سُمّوا للجائزة ولم يُمنحُوها... وبداخلي إِحساسٌ بأنّنا محظوظون لأنّك لم تدخلي قائمة فيها بيريز والسادات وأوباما...
عزيزتي لينا !
أناس عديدون فرحوا لك ومعك... وأناس عديدون حرصوا على أن يواسونا ولمّا وجدونا فرحين ولا نحتاج للمواساة بعضهم فهم وبعضهم لم يفهم... لكنّ جميعهم صادق، وهم أهلنا سواء كانوا من هنا أو من غير هنا... وأيّا كان الحال فإنّهم إنّما أكّدوا أن الإنسان واحد، أيّا كان لونه، وأيّا كان موطنه، وأيّا كان جنسه، وأيّا كان عمره، وأيّا كانت خياراته مادامت لا تسيء للآخرين...
وإنّه لجميل أن يكون الحال على هذه الحال !
عزيزتي لينا !
أدرك أن كاهلك قد أثقل الآن أكثر، فأنت بتسميتك لهذه الجائزة، وبمنحك جوائز أخرى : جائزة أفضل مُدوّنة لسنة 2011، والجائزة العالمية للصّحافة (التي أرجو أن تهديها للصحافيين وأشباه الصحافيين الذين حاربوك عضوة في الهيئة المستقلّة لإصلاح الإعلام والاتّصال فما كان منك إلاّ أن انسحبت منها قطعا لمهاتراتهم...) وجوائز أخرى من هنا وهنالك، قُلْتُ أنت بتلك التسمية وتلك الجوائز وما سيتلوها من جوائز وألقاب وتشريفات تأتيك وستأتيك وستخطب ودّك من هنا ومن هناك، قد أصبحت، وستصبحين أكثر، جَمَلَ مَحَامِلِ آلامنا وأحلامنا وآمالنا، والمُبَلِغَةَ عنّا في أنحاء الدّنيا وأصقاع الأرض، وحاملة لوائنا، والشاهدة علينا... كما أنّك لصفائك ونقاوتك وإخلاصك ستسعين أزيد لأن تكوني حيث يعسر على المرء أن يكون، ولأن تسبقينا جميعا إلى التشهير والفضح والتنديد، وستنوبيننا في المنابر ونمرّ بفعلك عبر الشِّبَاك والجدران والصّمت والحلكة...
وأدرك أنّ التقدير والاحترام والحبّ وعنف المشاعر الصّادقة التي رأيتك تحظين بها من رفيقات ورفاق دربك، ومن أهل الإعلام النّصوحين، ومن منظّمي مهرجان الكتاب بموانس-سارتو جنوب فرنسا، ومن الكتّاب والروائيين والمفكّرين ورجال المسرح ورافعي رايات حريّة التعبير وقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، قد وهبتك أنفاسا جديدة وصحّة جديدة، وفتحت الآفاق أمامك أكثر، ولم "تلعب برأسك" بل زادت في وعيك، وشحذت عزمك، وقوّت إرادتك...
ولأنّني أدرك كلّ ذلك فإنّني غير مشفق ولا قلق عليك... ولكنّني رغم ذلك سأدعو لك مثلما دعت لك فراد مانسون : "أن يكون قلبك كالفولاذ يا لينا !"
عزيزتي لينا !
كم كنت أحسّ وأنا في مهرجان الكتاب ب"موانس-سارتو" أنّني تونس كلّها وأنّ تونس فيّ وفيك وفي مراد بالشيخ الذي رافقنا وفي يوسف الصّديق الذي كان معنا مناضلا حقّا كلّ يوم بل كلّ ساعة، وفي ماهر عاشور صديقك الافتراضيّ الذي جاءك من باريس يسوق سيّارته كأنّها برق، وفي السيّد صمّود وزوجته اللذين جذلا بالوقوف إلى جانبك، وفي كلّ هؤلاء الفرنسيين الذين أصرّوا أن يعبّروا عن حبّهم لتونس وعن تقديرهم لشبابها، وبعضهم وُلد فيها أو عاش آباؤهم فيها، وبعضهم دَرّس فيها وعلّمنا..
وكم كنت فخورا أن أسمع جميع الحوارات والنقاشات تتحوّل إلى حديث في الربيع العربي وفي مستقبل تونس، وفي فعل شباب تونس !
وكم أسعدني أن تطلبي أن يعلّق علم كبير حملته في حقيبتك، علم تونس الحرّة على المنصّة فيطبع القاعة والحوار والانفعالات بلونيه !
وكم أسعدني أن أراك أنت الصّغيرة الهشّة الياسمينة الرقيقة الخجولة الوجلة كبيرة إليها كبار الكبار، ولبؤة متوثّبة تفتح أبواب المستقبل العتيّة فتشرعها، وتشدّ برفق أيادي عمالقة كيوسف الصّديق وستيفان هيسال وسارج مواتي فتسحبهم إلى مواقعها وتثنيهم عن قناعاتهم لينضمّوا إلى قناعتها هي أو يقربوا منها...
عزيزتي لينا !
كم أنا أحبّك ! حتّى وأنا توجعني خطاياك أحبّك !
فلتكونـي كما تكونين، ولتظلّي أنـت أنـت... أمّا أنا فلا أملك إلاّ أن أحبّك كلّ يوم أكثر ! وإلاّ أن أناضل كلّ يوم وليلة ودائما كي لا يخونني جزعي عليك فأزعجك أو لا أدفعك حين يلزم الدّفع !
عزيزتي لينا !
طاب مشوارك، وعلا شأنك، واِشتدي عزما ومضاء، وهاتي انتصارات جديدة !
ولتهنئي بما قلت وبما فعلت وبما فتحت !
ولتتأكدي أنّ نجوما كثيرة تحميك وترعاك وتحرسك. الصادق بن مهني
12 أكتوبر 20011