12 oct. 2011

كتابٌ إلى ابنتي "البنية التّونسية".

عزيزتي لينا !
قد أكون صدمتك عندما عبّرت أمامك صراحة أنّني "أصلّي" كي لا تكون جائزة نوبل للسلام من نصيبك...
ولكنّك، بكل تأكيد، فهمت تمنّي، وقبلتِه، بل وتمنّيته مثلي !
وإنّني لسعيد الآن ومطمئنّ بل مرتاح ومبتهج... ذلك أنّ الأيّام الحمقاء التي عشناها منذ ساعة الإعلان عن اختيارك للجائزة قد أقنعتني أنّنا في خطر بل عرضة لأخطار : خطر أن تختطفك الموت قتلا أو رفسا أو إرهاقا، أو جرّاء تقاطر المتقاطرين –أجهزة إعلام وصحافة وأشباه صحافيين، وطمّاعين، وأذنابا وهمّجا-، وخطر اِنقطاعك عن الحياة الحقّة (وهي في عرفك بساطة، وتقدّمك الاحتجاجات، ووجودك حيث تريدين في شوارع التمرّد ومقاهيه، وفي حلبات الصّراع كالقصبة، وفي ميادين الشهادة كالرقاب والقصرين، وعلى منصّات الإعلام الصّعب والمحاورات العسيرة) وعنّا وافتكاكك من قبل المناسبات والتحرّكات والمنابر الرّسمية ؛ وخطر أن يتهافت عليك متهافتون أنت الهشّة الليّنة الزهرة السّمحة ؛ وخطر أن تسرقك منّا ومن تونسنا الدّعوات التي لا تنقطع ؛ وخطر أن أستفيق ذات صباح فأجدُك منهارة من الندم على قبول الجائزة.
عزيزتي لينا !
أشهد أنّني كنت سعيدا وأحسستك سعيدة لحظة الإعلان عن الفائزين بالجائزة، حتّى أنّنا حرصنا على إبلاغ الخبر إلى العلاّمة يوسف الصّديق، مرافقنا على نفس الطّائرة، وهدّأنا معا من روعه لمّا رأيناه ينفث أسفه... وأشهد أن رحلتنا كانت هادئة وجميلة... وقرّبت بيننا أكثر... وأعترف أنّني أحسستُني أستردّك !
عزيزتي لينا ! 
أنا سعيد وفخور بأن تمّ اختيارك للجائزة، وبأنّهم احتفظوا بك في السّباق )حتّى وهو في الواقع ليس سباقا) حتّى القرار الأخير... وأنا أسعدُ الآن وقد انضممت إلى غاندي والأخت تيريزا وستيفان هيسال وآخرين أمثالهم ممّن سُمّوا للجائزة ولم يُمنحُوها... وبداخلي إِحساسٌ بأنّنا محظوظون لأنّك لم تدخلي قائمة فيها بيريز والسادات وأوباما...

عزيزتي لينا ! 
 أناس عديدون فرحوا لك ومعك... وأناس عديدون حرصوا على أن يواسونا ولمّا وجدونا فرحين ولا نحتاج للمواساة بعضهم فهم وبعضهم لم يفهم... لكنّ جميعهم صادق، وهم أهلنا سواء كانوا من هنا أو من غير هنا... وأيّا كان الحال فإنّهم إنّما أكّدوا أن الإنسان واحد، أيّا كان لونه، وأيّا كان موطنه، وأيّا كان جنسه، وأيّا كان عمره، وأيّا كانت خياراته مادامت لا تسيء للآخرين...
وإنّه لجميل أن يكون الحال على هذه الحال !
عزيزتي لينا ! 
أدرك أن كاهلك قد أثقل الآن أكثر، فأنت بتسميتك لهذه الجائزة، وبمنحك جوائز أخرى : جائزة أفضل مُدوّنة لسنة 2011، والجائزة العالمية للصّحافة (التي أرجو أن تهديها للصحافيين وأشباه الصحافيين الذين حاربوك عضوة في الهيئة المستقلّة لإصلاح الإعلام والاتّصال فما كان منك إلاّ أن انسحبت منها قطعا لمهاتراتهم...) وجوائز أخرى من هنا وهنالك، قُلْتُ أنت بتلك التسمية وتلك الجوائز وما سيتلوها من جوائز وألقاب وتشريفات تأتيك وستأتيك وستخطب ودّك من هنا ومن هناك، قد أصبحت، وستصبحين أكثر، جَمَلَ مَحَامِلِ آلامنا وأحلامنا وآمالنا، والمُبَلِغَةَ عنّا في أنحاء الدّنيا وأصقاع الأرض، وحاملة لوائنا، والشاهدة علينا... كما أنّك لصفائك ونقاوتك وإخلاصك ستسعين أزيد لأن تكوني حيث يعسر على المرء أن يكون، ولأن تسبقينا جميعا إلى التشهير والفضح والتنديد، وستنوبيننا في المنابر ونمرّ بفعلك عبر الشِّبَاك والجدران والصّمت والحلكة...
وأدرك أنّ التقدير والاحترام والحبّ وعنف المشاعر الصّادقة التي رأيتك تحظين بها من رفيقات ورفاق دربك، ومن أهل الإعلام النّصوحين، ومن منظّمي مهرجان الكتاب بموانس-سارتو جنوب فرنسا، ومن الكتّاب والروائيين والمفكّرين ورجال المسرح ورافعي رايات حريّة التعبير وقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، قد وهبتك أنفاسا جديدة وصحّة جديدة، وفتحت الآفاق أمامك أكثر، ولم "تلعب برأسك" بل زادت في وعيك، وشحذت عزمك، وقوّت إرادتك...
ولأنّني أدرك كلّ ذلك فإنّني غير مشفق ولا قلق عليك... ولكنّني رغم ذلك سأدعو لك مثلما دعت لك فراد مانسون : "أن يكون قلبك كالفولاذ يا لينا !"


عزيزتي لينا ! 
كم كنت أحسّ وأنا في مهرجان الكتاب ب"موانس-سارتو" أنّني تونس كلّها وأنّ تونس فيّ وفيك وفي مراد بالشيخ الذي رافقنا وفي يوسف الصّديق الذي كان معنا مناضلا حقّا كلّ يوم بل كلّ ساعة، وفي ماهر عاشور صديقك الافتراضيّ الذي جاءك من باريس يسوق سيّارته كأنّها برق، وفي السيّد صمّود وزوجته اللذين جذلا بالوقوف إلى جانبك، وفي كلّ هؤلاء الفرنسيين الذين أصرّوا أن يعبّروا عن حبّهم لتونس وعن تقديرهم لشبابها، وبعضهم وُلد فيها أو عاش آباؤهم فيها، وبعضهم دَرّس فيها وعلّمنا..
وكم كنت فخورا أن أسمع جميع الحوارات والنقاشات تتحوّل إلى حديث في الربيع العربي وفي مستقبل تونس، وفي فعل شباب تونس !
وكم أسعدني أن تطلبي أن يعلّق علم كبير حملته في حقيبتك، علم تونس الحرّة على المنصّة فيطبع القاعة والحوار والانفعالات بلونيه !
وكم أسعدني أن أراك أنت الصّغيرة الهشّة الياسمينة الرقيقة الخجولة الوجلة كبيرة  إليها  كبار الكبار، ولبؤة متوثّبة تفتح أبواب المستقبل العتيّة فتشرعها، وتشدّ برفق أيادي عمالقة كيوسف الصّديق وستيفان هيسال وسارج مواتي فتسحبهم إلى مواقعها وتثنيهم عن قناعاتهم لينضمّوا إلى قناعتها هي أو يقربوا منها...
عزيزتي لينا ! 
كم أنا أحبّك ! حتّى وأنا توجعني خطاياك أحبّك !
فلتكونـي كما تكونين، ولتظلّي أنـت أنـت... أمّا أنا فلا أملك إلاّ أن أحبّك كلّ يوم أكثر ! وإلاّ أن أناضل كلّ يوم وليلة ودائما كي لا يخونني جزعي عليك فأزعجك أو لا أدفعك حين يلزم الدّفع !
عزيزتي لينا ! 
طاب مشوارك، وعلا شأنك، واِشتدي عزما ومضاء، وهاتي انتصارات جديدة !
ولتهنئي بما قلت وبما فعلت وبما فتحت !
ولتتأكدي أنّ نجوما كثيرة تحميك وترعاك وتحرسك.                                                                                              الصادق بن مهني
                                                               12 أكتوبر 20011

11 oct. 2011

أيا بنات بلدي تحيّة !

كنت قد خرجت للتوّ من سجون بلدي إلى بلدي... ولاقيتهنّ : لاقيت بنات الطّاهر الحدّاد يقفن ضدّ العسف، يرمقن المستحيل يرونه قدرا متاحا، يكتبن، يتحاورن، ينازعن في رفق، يصددن في تنمّر... وفيهنّ وجدت كثيرا ممّا يجسّد كثيرا من الأفكار التي اكتسبتها في السّجن قراءةً، ونقاشا مع بعض رفاقي، وتعمّقا في أحوال الدّنيا وغوصا في ذاتي ومسيرتي...
وقبل ذلك وأنا أخاتل الجلاّدين وقمع بورقيبة وبلخوجة وأتخفّى لأكتب وأنظّم وأستمرّ مع من لم تلتقفهم الشبكة لكي يستمرّ الصّمود، عايشتها شقراء تربّت في غزّ، تتكلّم الفرنسية وتخشى سهام عائلتها أكثر ممّا تخشى عيون البوليسوتحتى لأشهر حرّيتها كاملة وهي لا تخرج من غرفة محاصرة...
وقبلاً كانت... وكانت...وكانت...وكنّ :
-         كانت جدّتي للأمّ... أمّي تومانه... سعت جهدها لأن نتعلّم "الشلحة" (لغة الأمازيغ) لأنّها لم تكن تقبل أن لا يتقن أحفادها "لغة النبيّ محمد" ؛ هكذا كانت تقول. وفي تصرّفها اليوميّ عايشنا أنفة المرأة، وعطاء المرأة، وتحدّي المرأة... أكلنا من مرقها الطيّب وبهرنا جمالها، ومازلنا إلى الآن نعجب من قدرتها على التحمّل : فهي قد أتقنت أعمالا لا تعدّ : بنت، ودهنت، وحرثت، وقلّمت الشجر، وجرّت الأحمال على ظهر بهيمها، وزرعت، وحصدت، وربّت، ورافقت المطلّقة واليتيم، والطبّبت و... و... و... وهي لسخائها كانت تُحْسَبُ جِنيّةَ خيْرِ أو وليّة صالحة... ومن سخائها أن ألبستها بناتها قسرا قميصا جديدا لتذهب إلى مناسبة فعادت دونه وصامتة إلاّ أن من بسمى ظفر ودهاء لذيذ... وبعد لأي علمنا أنّها إنّما وهبت القميص لأوّل شابة لاقتها : تستّرت هي وإيّاها في حضن زيتونة معمّرة وأصرّت على أنّ القميص للشابة أنسب !
-         وكانت أمّي، وهي ما تزال، تحضنني وتوعّيني وتوجّهني... غالبت عسر الزّمن وكافحت حتّى لا تقهرنا المسغبة وقلّة ذات اليد... وعلّمتني القراءة وإعداد دروسي، وكيف أكتب نصّا جميلا وهي لا تفكّ الحرف حتّى اللحظة...
-         وكانت سعاد... رفيقة الصبا ومطلع الشباب التي تعلّمت منها التواضع والبساطة والتي حفّزتني في صمت باسم لأن أسعى أكثر وأكثر وراء المعرفة بأن كانت أوسع منّي معرفة...
-         وكانت أخواتي، ولا يزلن، بطلات تحمّلن في عزّة نفس وعطاء لا يحدّ، وصبرن على الضّيم، وعلى قهر تفضيل الذّكر، وكابدن لنحيى، وصمدن في وجه انقلاب المنقلبين وحقارة الوضعاء...
وبعدها كانت... وكانت... وكنّ ولا يزلن : أذكر بعضهُنّ أمثلة وأنا أدري أنّني لن أفيَ بحقّ الغالبية :
-         كانت، وما تزال لعمر أتمنّاه طويلا ومع صحّة سليمة، هذه التي أهدتني شمسين... وعلّمتني الخطو في زمن كان يصعب عليّ فيه أن أحسن الخطو... وصبرت على حماقاتي وعلى نقائصي، وكابدت معي وحمت قناعاتي... هذه التي عاشت طفلة ككلّ بنات جيلها ضيق الأفق ومخاطر تطليق المدرسة بفعل مبكّر الزّواج... وأذكر أنّها روت لي ذات مرّة ونحن نغرق في رمل طريق كيف كانت صديقتها تسلك ذاك الطريق كلّ عشية أحد مشيا حتّى تصلها فتركب معها "الجردينة" التي كان والدها يحملها عليها حتّى المعهد الثانوي... ثمّ أصرّت على أن تسأل عن صديقتها فاكتشفنا أنّها سافرت من رملها إلى صواريخ "آريان"...
-         وكانت قريبات وزميلات وصديقات ورفيقات درب، ولا يزلن، علّمني، وساعدنني ودافعن عنّي عندما عزّ الزميل الصدوق، والصديق الحقّ، والرفيق المنصف...
-         وكانت نساء من بلدي ومن بلدان أخرى، أثبتن لي، دون كلام، أنّ النساء هنّ فعلا مستقبل الإنسان، وأنّ الرجال ليسوا شيئا إذا ما استعبدوا المرأة، وأنّ في معاناة النساء خسارة الرجال قبل خسارة النساء...
-         وكانت ولا تزال صديقة، قصرها كقصر لينا، ومضاءها كمضاء لينا، وجدتها عندما لم أجد أحدا، وهدتني عندما عسر الهدي... وفدتني كثيرا...
-         وكانت، وما تزال، شمس أيّامي ومحرّكة هواجسي، التي تغضبني وتفرحني، توجعني دائما وبلسمي، التي تحدّتني وهي تتحدّى معوقات القدر، وبإصرارها قادتني إلى ذكرياتي، وحرّكت ما رسب فيّ، وصفّت غديري، ودفعتني إلى شبابي، ومع أضرابها صنعت حرّيتي، حرّيتنا، وفتحت أمامي سماوات لم أكن حتّى لأحلم بمجرّد الحلم بها... وعلمتني –في صمت- كيف تُجْتَرَحُ المواطنة حقّا يفتك وواجبا ملزما...
-         وكانت، وما تزال، هناءُ أراها تدرك في لحمها يعرّيه الغوغاء ودمها يَعْتَزِمُ سفكَه هؤلاء الذين حُلُوا ولم ينحلّوا، كلاب دم المنهار، يودّون إسناد نظامه ليبقى ولو معوقا،... أراها جمل محامل دربه شوك ولا ينخذل...
وأنا إذا أكتبُ ما كتبتُ فإنّما لأقول : أنا ابن أمّي وجدّاتي وأخ أخواتي وخالاتي وعمّاتي، وأبُ بنتي التي قهرت حتّى ما لا يقهر، وصديق صديقاتي ورفيق رفيقاتي وحبيب حبيباتي وقريب قريباتي ... ولولاهنّ، ولولا نساء العالم كلّهن، لما كنتُ إنسانا يتوق ويجنّح ويثور ويتحدّى  ويتصدّى ويرغب ويحلم و"يشيخ" (بالمعنى التّونسي) ويهوى ويعشق ويبحر...
أنا رضيع ضعيف وُلِدَ وهنًا فأنقذته نساء... وأنا غرّ عنود درّبته نساء... وأنا ضعيف خوّاف قوّته نساء... وأنا عربيد قوّمته نساء... وأنا تائه مهّدت لي الدّرب نساء...
وأنا أدرك أنّه لولا النساء لما كنت، لما كنّا، ولما كان الإنسان...
من النساء جئنا، وبالنساء بقينا، ومن دفقهنّ وحضنهنّ طرنا وطرن باتجاه الآفاق الرحبة...
ولولا النساء ما كنّا رجالا، ما كنّا...
ولأنّ النساء، هنّ كلّ ذلك ولأنّهن علّمنني الإخلاص والمكابدة وطول النفس ورفض الهوان والوقوف أمام العسف فإنّني لن أكفّ، أقسم : لن أكفّ أدفع عن نساء بلدي الباغين والحقودين والجهلة والأدعياء والناطقين باسم الربّ والمتجبّرين والرافضين لدوران الأرض  وجريان الكواكب والمجرّات والزّمن والمنشّدين إلى سلف قضوا وانقضى زمنهم...
 
 
                                                               الصّادق بن مهني
                                                                6 أكتوبر 2011
 

المتستّرون بالدّين... وأنا

لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين ولا في مجادلتهم. فأنا أؤمن بأنّهم غير قابلين للنّقاش أصلا... وحتّى من ناقشوا فإنّما هم يناورون... ذلك أنّ الربّ لا يُناقِش ولا يُناقَش... وفي روعهم أنّهم وكلاء الربّ... ينطقون باسمه... ويتصرّفون نيابة عنه... وينصّبون ذواتهم البهيّة حُماةً له... ويتعسّفون ويعتدون باسمه...
ولي مع مناضلي الحركات السياسيّة المتستّرة بالدّين حكايات وحكايات... وأنا إذ أصفهم بالمناضلين فإنّما أستعمل اللّفظ في معناه الأوّل، فهم ـ حقيقة ـ يناضلون من أجل إشغال موقع ومن أجل إخلاء كلّ المواقع من الآخرين غيرهم... بل إنّهم يرون أنفسهم أصفى مناضلين وأجملهم وأحقّهم بـ...الجنّة، وجنّات ما قبل الجنّة!
ومن حكاياتي مع هؤلاء أنّ أحدهم ـ وهو قريب وصاحب وجار ولم يعد اليوم منهم (أي من الـ«هؤلاء») ـ لازمني أيّاما وهو يتخفّى فيما كنت أنا غادرت الحبس للتوّ... شاورني صادقا ونصحته صادقا، وتبادلنا الرأي في كلّ شيء إلاّ العقيدة والخيارات... وتابع والدي حينها هذه العلاقة باستغراب وحيطة... وذات يوم قال لي في شبه تأنيب: «من منكما يناور ليسحب الآخر إلى مواقعه؟ لا أريدك مهزوما يا ولدي... اِحذر فإنّ كيد هؤلاء لعظيم!»... ولمّا أُوقف صاحبي سمح أحد الجيران لنفسه (وهو الذي لم يفعل فعل نضال ـ بأيّ اتّجاه وبأيّ معنى ـ في حياته اللهمّ بيع الدّجاج) بأن ينطق وهو متأكّد من الأمان، بما يوحي بأنّ الدّولة كافرة لأنّها تعتقل جند اللّه وتطلق سراح الكفّار الذين لا يستأهلون إلاّ الإعدام...  ولمّا بادرتُ إلى والد صاحبي أفهمه ما يلزم أن يعمله لابنه للتخفيف عنه طردني أو كاد (أصبح صاحبا لي فيما بعد!)... أمّا الدّاعي إلى شنقي فلقد تسلّل هاربا من حيث كنّا لمجرّد أن فهم أنّني كنت، وكافر آخر مثلي، نحرّر عريضة صدّرناها بالبسملة وجرّدناها من أيّ تعبير سياسيّ ولم نحتجّ فيها إلاّ على حصول الايقاف في حرم الجامع...
ومن حكاياتي معهم أيضا أنّ بعض زملاء انضمّوا إليهم في تلك السّنوات التي اغترّوا فيها وعربدوا، وصموني هم بالكفر وضايقوني بألف شكل مكشوف وغير مكشوف، بل وأوحوا إليّ يخوّفونني حتّى بأنّ إسمي على قائمة أعداء اللّه الذين تصحّ تصفيتهم... ولمّا تعرّضت  حركة هؤلاء إلى السّياط ومعاول الهدم حميت حقوق زميل موقوف فشاغبني الزملاء الذين هدّدوني، وفضحوني لدى الإدارة... ولمّا حرصت على أن يتمّ ـ عند معاملة الموظّفين ـ الفصل بين صفتهم المهنيّة وبين معتقداتهم وخياراتهم، كان أوّل من تصدّى لي رهط من مناضلي اتّجاهات سياسيّة تدّعي تمثيل اللّه والدّين...
بعدها أعجبني وأغراني أكثر بالتعايش وحتّى بالتعاون أن استقبلت صاحبي في داري وهو يخرج للتوّ من محبسه والعسس يسيرون من ورائه غير متخفّين وكدت أغترّ وأوقن أنّ الحوار ممكن!
بعد ذلك وفي الزّمن الذي اكتوى فيه أولاء بالميز والعزل والكيد من كلّ جهة وجانب، قمت بما رأيته واجبا ومتاحا (ولن أعدّده هنا)... وتصدّيت مدافعا عن التراث الإسلامي والمعالم الدينيّة المهدّدة حتّى شرّفتني شهادة أفخر بها، شهادة الشيخ الصّادق بن مرزوق الذي أفحمني وهو يشكرني علىاستماتتي في الدّفاع عن جوامع جربة في زمن كان مجرّد الكلام فيه عن الجوامع مدعاة للظنّ، بل للتنكيل.
وفي الأثناء عايشت، من قريب، علاقة الحوار والتشاور التي جمعت بين السيّد راشد الغنوشي وبين المناضل الكبير الذي فقدناه أخي نورالدين بن خضر...
وقبلها ـ وأنا أُنقل من سجن إلى سجن ـ اطّلعت قليلا عمّا فعله دعاة ـ كنت، تلميذا، خبرتُ ضيق صدر أحدهم وظلمة أفقه ـ بإخوتي الصّغار الملتاعين حتّى كادوا يجنّدونهم فيسخّرونهم...
ولأنّ لي صلة بالحضارة الإسلاميّة، وبالتّاريخ عموما، ولأنّ لي صلة بالكتاب وثيقة وبالنّشر أيضا، فإنّني عرفت مثلا كيف سيطر الشّيعة على إفريقيّة وكيف اندثروا منها، وكيف اكتسح المذهب المالكي السّاحة، وكيف قُتل الإباضيون وما زالوا يُحاصرون ويُضايَقون رغم أنّهم أصبحوا قلّة قليلة.
أمّا مع انطلاق الثّورة وهروب الجبان، فلقد رأيت المتستّرين بالدّين أين كانوا خلال الأيّآم العصيبة، وفي المظاهرات والاعتصامات، ومواقفهم وتقلّباتها... ثمّ عايشت زحف اللّحى والهركات (ج. هُركة) والخيام السوداء، والصّلاة على قاذورات الشّارع الكبير...
ثمّ أتيحت لي فرصة معارضة اعتداءات البعض منهم على المنادين بالعلمانيّة وبتونس لجميع بناتها وأبنائها، وللمناديات بالمساواة، وبحقّ أمّي في أن تعادلني قيمة وشأنا وحقوقا...
ثمّ كنت بمحض الصّدفة عرضة لاعتداء ذهب بنظري دقائق طويلة حتّى أنّه أفهمني ما لم أكن فهمته من طه حسين، اعتداء ارتكبه بعضهم أو منتسبون ارتكبه بعض منهم، أو منتسبون إليهم، أو متستّرون بلحاهم وشعاراتهم وبعض أشكال ممارساتهم...
وقبل ذلك حدّثني أصدقاء ثقات عن ممارسات فظيعة تعرّضوا لها من قبلهم وهم في الجامعة، في زمن فتح فيه مزالي الباب عريضا أمام كلّ الرعوانيين والعتاة... ورغم ذلك وكثير مثله لم أذكره، ورغم قراءاتي، ورغم ما عرفته من شأن ذي صلة على المستوى الدّولي فإنّني ظللت أعتقد أنّه لكلّ الاتّجاهات السياسيّة الحقّ في الوجود والتواجد والنّضال من أجل خياراتها حتّى وإن تستّرت بالدّين وادّعت العصمة... ولم أكن أرى إلاّ النّضال ومقارعة انعدام الحجّة بالحجّة، سدّا منيعا من سيلهم الجارف... ولم أتبيّن شرطا يمكن أن يقبل به حدّا لأنشطتهم سوى شرط نبذ العنف...
إذن، لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين حتّى ضيّقتْ عليّ أنفاسي ممارساتُهم ودعاويهم، ورأيتهم يتهافتون على بلدنا يتهيّؤون لنهشها، لا يردعهم شرط نبذ العنف، ولا عهد وفاق، ولا توصيات «أردوغان» ولا نصائح أمريكا... وأقصد ما أقول ولا أتردّد.
ولي عن ذلك شواهد:
فمنذ أن بدأت تنهار أدوات السلطة البائدة واطمأنّ بعض النّاس إلى انعدام الرّدع شرع بعض المتستّرين بالدّين في:
ـ احتلال جوامع ومساجد قسرا، وانطلق الأمر ـ في ما أعلمه ـ من جربة، ونصّب نكراتٌ أنفسهم أئمّة ودعاة ومتصرّفين،
ـ وتشويه، أو حتّى هدم، معالم أو أجزاء من معالم دينيّة وحضاريّة وثقافيّة أغلبها عتيق. حدث هذا في جربة، وشُرع فيه بتطاوين، ولكنّه حدث أيضا بأماكن أخرى كمرناق، وسُعي إليه في الكاف،
ـ إظهار غطرستهم بتعمّد الصّلاة في شوارع ليست بعيدة عن مساجد مثلما حدث في الشّارع الكبير بالعاصمة وفي القصبة، وأمام المطار،
ـ وتكاثرت المحجّبات والمنقّبات والمتنقّلات تحت خيام، والملتحون وأصحاب السراويل القصيرة، ولابسو الجلابيب، وتوزّعوا في الأحياء والأنهج يظهرون صلفهم، ويرفعون أصواتهم بما يتعدّى على حرّيات النّاس،
ـ وتسرّبت إلى وسائل الإعلام مواضيع كنّا نخال أنّها لم تعد من اهتمامات شعبنا ولا من مشاغله كموضوع تعدّد الزّوجات، ودراسة الفتاة، وعمل المرأة، واللّباس الشرعي، بل وتمّ إحصاء حتّى عدد من الاعتداءات على الحرّيات الفرديّة.
وفيما نادى مناديهم يندّد ـ ادّعاءً ـ بسعي العلمانيين واللّائكيين إلى الانحراف بالثّورة عن مساره، وإثارة مواضيع هامشيّة، وينعت هؤلاء بأبشع النّعوت ويلصق بهم تهم الولاء للغرب وللأجنبيّ وللشيطان، توزّع هؤلاء أو بعضهم (عن وعي أو بغير وعي وبتحريك أو من تلقاء أنفسهم، هم وحدهم وكلّهم أم طوائف منهم بتحريض مندسّين، الأمر سواسية طالما أنّهم لم يعبّروا عن رفضهم الصّريح لكلّ ذلك!) يمارسون سياساتهم في «بيوت اللّّه»، وعلى شبكة الانترنت التي احتلّها بعض المنتسبين إليهم يكيلون أبشع الاتّهامات وأقبح الصّفات لكلّ من ليس منهم أو مثلهم، ولكلّ من تمسّك بإنسانيته ومواطتته ورفض أن يستكين لهواهم.
بين هذا وذاك تعمّد قوّادهم تعميم الخلط، فتعمّدوا ازدواجيّة ـ بل تعدّد ـ الخطاب: خطاب للاجتماعات العامّة، وخطاب للجوامع، وخطاب للمناسبات الخاصّة، وخطاب لهذا الصّنف من وسائل الإعلام وغيره للأصناف الأخرى...
وهنا أودّ أن أحكي حدثا عشته شخصيّا:
إثر الاعتداء الذي تعرّضت له أمام قاعة عامّة للسّينما دعتني قناة «الجزيرة» (والدّعاية هنا مجانية صرف!) لمناقشة الموضوع. وجرى الحوار لكن بصفة غير مباشرة وكان واحد من قيادات «حركة النهضة» معي على نفس الركح. ولاحظت أنّه تبرّأ من لجوء حركته إلى العنف ولم يتبنّ الأفعال التي حدثت. بل ووقع بينه وبين رئيس حزب  التحرير المحظور الذي كان هو أيضا طرفا في النّقاش ـ لكن من مكان آخر غير مكاننا ـ جدال وحتّى تنافر وخلاف حين دعا هو إلى التحكّم في القواعد والأعضاء والسيطرة على النّفس للامتناع حتّى عن ردّ الفعل ونادى بعدم اللّجوء إلى العنف، فردّ عليه صاحبه بأنّه غير مستعدّ لقبول دروسه وذكّره بتاريخ الحركة في الشأن.
هذا القياديّ لم يكلّف نفسه حتّى عناء (إذ يظهر أنّ تمنّي الخير لرهط مثلي عناء في نظر هؤلاء!) أن يهنّئني على السلامة ويتمنّى لي أن لا تكون للاعتداء آثار لاحقة على بصري... بل إنّه ـ أكثر من ذلك ـ خَلَطَ بين المعتدي وبين الضحيّة وحمّلنا جميعا المسؤوليّة بالقدر ذاته...
ولأنّني أحرص على أن أقرأ الخير في النّاس، فلقد ناقشته الأمر ونحن نغادر. وشجّني على ذلك أنّني لاحظت أنّ ذويه ـ وخصوصا زوجته ـ الذين كانوا في انتظاره عصريو الهندام والتصرّف. فأقرّ بأنّه كان عليه أن «يستلطف» لي وأن يندّد بالاعتداء بكلّ وضوح وجلاء وأن لا يظهر وكأنّه يبرّره بالتشديد على أنّه كان ردّة فعل، طالما أنّه كان فعلا عنيفا لم يُردّ على فعل عنيف.. واستبشرت لمّا وعدني ـ دون أن أكون قد ألححت عليه في ذلك ـ أنّه سيسعى إلى تبديد عتمة موقفه بل وحتّى للاعتذار لي حين تتاح الفرصة...
وطبعا ما زلت أنتظر ذلك منه!
وأودّ كذلك أن أشير إلى ما تعيشه ابنتي لينا المدوّنة الشهيرة باسم «بنيّة تونسيّة» من اعتداءات منهجيّة ويوميّة ومن قذف فاحش لمجرّد تعبيرها عن عدم اتّفاقها مع منهج الاسلامويين...
ويعرف متابعو المدوّنات وصفحات الفايسبوك أنّ القذف والوعيد وحتّى التهديد بالويل والثبور والقتل قد تعدّى شخصها إلى عائلتها وأصدقائها وصديقاتها.
بعد هذا ألاحظ أنّ لا أحد من معتنقي السياسة المتستّرة بالدّين ـ حسب ما يتيحه لي اطّلاعي ـ قد بادر إلى التعبير بصورة واضحة وبيّنة ولا تقبل التأويل عن مناهضته المطلقة للعنف راهنا ولاحقا، وعن دفاعه عن حقوق الآخرين، كلّ الآخرين في أن يكونوا كما أرادوا وكما يشاؤون طالما أنّهم ملتزمون بحقّ الجميع في مواطنة حقّة وحرّيات كاملة، وعن تشبّثه بالقوانين والمعاهدات الدوليّة والوطنيّة المتعلّقة بحقوق الإنسان الآن ومستقبلا كما تشبّثوا بها واستندوا إليها لمّا كانوا مقموعين ولمّا لجؤوا إلى ديار الغربة، بل ديار الغرب، فاستظلّوا بها وغنموا منها علما ومالا وصيتا، وتكوّنوا في معاهدها ولدى منظّماتها المختصّة.
ولا أحد من هؤلاء تصدّى ليفسّر لنا مصادر هذه الأموال الطوفانيّة وليرفض التصرّفات الدعائيّة الفجّة التي تحقّر مواطنينا ومنها توزيع الهدايا وأدوية علاج جميع الذّنوب والهموم والآلام والأحزان، وتسخير الحافلات لتضخيم الاجتماعات، ولا أحد من هؤلاء أكّد للنّاس صادقا ومخلصا أنّ لا تناقض فعليّا بين ما يدعون إليه حقيقة وسيمارسونه فعلا قادما وبين ما يدّعونه.
وإريد أن أقول هنا أنّ التغيّر الذي حصل أخيرا في نهج الحركة من حيث خطابها الرسميّ، وبرنامجها الانتخابيّ، وهندام أعضائها ومناصريها لا يطمئنني لأنّه جاء مفاجئا وغير مفسّر أو مبرّر، وكأنّه نتاج تدخّل مكتب غربيّ مختصّ في العلاقات العامّة ليس إلاّ.
ولأنّني كتبت، وأطلت فإنّني سأقول أيضا ما يلي: شعبنا برجاله وبنسائه بدأ ثورة، وشبابنا وشاباتنا تكبّدوا تضحيات جساما من أجل الكرامة والحريّة والمساواة، والحقّ في تنمية عادلة... فإمّا أن نصغي إليهم وإليهن ونفهمهم ونفهمهن ونساعدهم ونساعدهن، وإمّا أن نغالطهم ونغالطهن... وفي الحالة الأخيرة لاشكّ أنّهم وأنّهن لن يتردّدوا ولن يتردّدن في التمرّد سريعا علينا كما تمرّدوا وتمرّدن على العهد البائد والنهّابين، ولقّنونا ولقّنّنا درسا في الشجاعة والحكمة والإبداع والتشبّث بتحقيق المبتغى هنا والآن.

16 سبتمبر 2011 

29 sept. 2011

لماذا "لينا بن مهنّي" بالذّات؟... بقلم الدكتور الأمين ذويب



مثلي غيري من التونسيّين، كنت متوقّعا أن يكون أحد التونسيّين مرشّحا لنيل جائزة نوبل للسّلام، وكانت سعادتي كبيرة جدّا حين علمت أنّ المناضلة ( وأؤكّد: المناضلة) "لينا بن مهنّي " وقع اختيارها كأبرز مرشّحة لنيل الجائزة. وكيف لا أكون سعيدا ليس من أجلها فقط، وليس من أجل وطني فحسب، بل أيضا من أجل أبيها السيّد الفاضل "الصّادق بن مهنّي" وهو أصيل ج...زيرة جربة الّتي أسكنها وأعشقها، وهو كذلك صديقي وزميلي في أسرة تحرير صحيفة "الجزيرة"، وهو فوق ذلك أحد المناضلين القدامى الّذين سكنوا السّجون حين كنّا نحن نسكن ديارنا.
كنتُ سعيدا جدا بهذا الخبر، وكنتُ أظنّ أن كلّ شباب تونس سيشاركني نفس السّعادة... فتحتُ صفحة "الفايسبوك" لأقرأ ردود أفعال التونسيّين... وكانت الصّدمة... وجدت صفحات الانترنيت مليئة بالرّوابط الّتي تقذف "لينا" بأبشع النّعوت والصّفات الّتي يندى لها الجبين... وطبعا، وكالعادة، اكتشفتُ أنّ هذه الرّوابط "القاذفة للمحصنات" تصدر عن نفس "أدمينات" الصّفحات الّتي تدعو إلى دولة "تونستان" الإسلاميّة.
ووجدتُ نفسي أمسك القلم لأطعن به كلّ الاتّهامات والإدّعاءات البغيضة الصّادرة من أعداء "لينا"، وأعداؤها وأعدائي سواء!... وليس لي من سلاح سوى قلمي!
وأقول لهم: لماذا "لينا بن مهنّي" بالذّات؟
- لأنّها كانت من القلائل الّذين تكلّموا حين كانت الأغلبيّة صامتة زمن القمع والاستبداد.
- لأنّها تنتمي إلى الشّريحة العمريّة الّتي قامت بالثّورة، وهي شريحة الشّباب.
- لأنّها بارعة في المجال الّذي صنع الثّورة بلا منازع، وهو مجال الانترنيت.
- لأنّها رمز للشّباب التّونسي المدافع ليس عن الدّيموقراطيّة فقط، بل أيضا عن الحداثة ونمط العيش التّونسيّ (وهل لدينا شيء آخر نفاخر به الأمم المسلمة وغير المسلمة؟؟!!).
- لأنّها رمز للمرأة التّونسيّة الّتي قادت الثّورة (نعم! المرأة التّونسيّة هي الّتي قادت الثّورة، وعندي الدّلائل والقرائن الّتي تؤكّد ذلك بالصّوت والصّورة والوثائق)، المرأة التّونسيّة الّتي شاركت في كلّ مراحل تطوّر هذا الوطن حين كانت النّساء في الدّول الأخرى لا تقود السيّارة ولا تشارك حتّى في الانتخابات.
- لأنّها على المستوى الإنساني عظيمة جدّا، كافحت مرضها المزمن بصبر وعزيمة، وأنا كطبيب أعرف مدى المعاناة الّتي يسبّبها ذلك النّوع من الأمراض. "لينا" كافحت مرضها المزمن ليس فقط من أجل أن تعيش هي فحسب، بل أيضا من أجل أن يعيش كلّ المجتمع الّذي تنتمي إليه.
- لأنّها لم تركب على الثّورة مثلما فعل الكثيرون، ولن تركب عليها أبدا، وهي المناضلة ابنة المناضل، الصّادقة ابنة الصّادق.
- لأنّها كانت ومازالت تقاسي من ألسنة الأصوليّين والحاسدين الّذين يتجرّؤون على نعتها بأبشع الأوصاف لأنّها لا تلبس حجابا ولا تضع على جسدها ذلك الكفن الّذي تضعه نساء بني سعود و الإخوانجيّة والوهابيّين
- لأنّها لم تحارب ديكتاتوريّة السّياسة فقط، بل أيضا دكتاتوريّة الدّين، تلك الدّكتاتوريّة الشّنيعة جدّا الّتي تقوم بها جماعة من النّاس تدّعي أنّها الوحيدة الّتي تمسك بمفاتيح جنّة الدّنيا والآخرة.
- لأنّها تمتلك العديد من الصّداقات مع العديد من شباب العالم، ولأنّها بذلك تمثّل رمزا للتّعايش والتّلاقح بين الحضارات.
فكيف لا تكون مرشّحة لنيل جائزة نوبل، ومن هو التّونسيّ الّذي يفوقها استحقاقا وأحقّيّة بهذه الجائزة؟

27 sept. 2011

حمّة و الخالطون بين الدين و السياسة و العبد لله نص للصادق بن مهني نشر في جريدة الأولى ليوم السبت 24 سبتمبر 2011

أمّا وقد غادرت الفعل السياسي المتحزّب باكرا فإنّه لم يعد يجمعني ببعض من رفاقي القدامى ,كحمّة الهمامي الاّ الحنين لماض  مشترك فيه لحظات صفاء وضوء كثيرة, ونوع من الودّ يجعل كلّ اختلافاتي معهم تتلاشى كلّما التقينا ...صدفة.
و لّنّ الحال هي هاذه فقد تحوّل لقائي بحمّة بمناسبة العرض الأوّل لفيلم "لا خوف بعد اليوم "إلى لحظة حميمية وصريحة  :تحدّث عنّي من أعماق قلبه, و بادلته المشاعر بكلّ صدق ...وتناغمنا...

و لأنّني عشت اللحظة إيّاها بكلّ جوارحي,فلقد أحسستني إثرها مندفعا لأهتف لحمّة أطلب مقابلته لنتحدّث و نتناقش,ولأقول له   أشياء و أشياء يفيض بها قلبي و أخنقها...أشياء منها البعيدالبعيد لكن الحاضر  قيدا يمنعني من أن أكتب مذكّراتي ...و منها ماهو أقلّ بعدا و إلى العقل و الموقف أقرب...

إلاّ أنّ اندفاعي لم يطلقني بل ظللت أراوح مكاني و في رأسي اعتراض: لو التقينا و تحاورنا فإنّنا قد نوّضح كلّ الأمور فنأكّد
  اختلافات و نزيح اختلافات و نتبيّن اختلافات... و لكنّه سيعسر عليّ في كلّ الأحوال أن أقبل منه, و لو مع التشديد على اختلافنا, ما فعله بنفسه ذات عام و هو يحسب أنّه يضرب الظلاميين, و ما يفعله بنا منذ وهلة و حتّى الشاعة و قد نصّب نفسه و حركته محامين عن" النهضة "و ضامنين لصفاء روحها و نقاء نيّتها و طهارة مقاصدها حتّى فيما  لم يضمنه أبناؤها ذاتهم...
 و حتى يصحّ عليّ اسمي أعلن بوضوح: "نعم ...أنا خائف من النهضة  و من جميع السياسيين  المتلّحفين بالدين ...خائف منهم على وطني و على مستقبل بناتنا و أولادنا...خائف منهم على الهبّة التي فتحت لنا باب السماء الحقّة: سماء الحرية و العدل و "المساواة و الانعتاق و الابداع و الارتقاء.
أقول "أنا خائف "و أنا أعني ما أقوله.وحتى يعلم المحبطون و المتشائمون و دعاة الاستسلام و من يخطّطون بعد لترك السفينة تغرق دونهم أنّ خوفي لا يكبّلني و لا يشلّ حركتي و لا يجعل الأفق أمامي كئيبا قاتما...خوفي يملأني , ولكنّه أيضا يشحذ عزيمتي و يحفزني أكثر للتصدّي و المعاندة و التجاوز و يحسّن كفاءتي و يمضي إصراري على البقاء و المقاومة و الانتصار ...
و لأنّني أسمع بعضهم, بل الكثير  الكثير منهم  يحتجّ :ها أن واحد منهم يؤكّد مرّة أخرى أنّهم في النهضة و أضرابهاالعدوّ الأوّل , ويرومون إقصائها مثلهم مثل من كانوا ... فانّني أوّضح  للتوّ: أنا لم أحارب النهضة و أشباهها يوما ...بل وناصرت بعض مناضيلها بما قدرت عليه حين عزّ النصير,ولم أمدّ يدي يوما لجلاّديها...و أنا لم أدعو أبدا لإقصاء الإسلامويين أيّا كان لونهم عن الساحة و التأسيسي و عن الشأن العام...وكلّ ما في الأمر أنّني أرى فيهم خصما لدودا بل أكثر من خصم لدود: خطرا داهما يتستّر بالديمقراطية و يهيّئ مخالبه للانقضاض على وطن يحسبه  فريسة...و أنا لا أدعو بتاتا لمحاربة النهضة بل أنادي بأن نتصدّى لها بفضح تناقضاتها و كشف زيف ادّعاءاتها ورفض هيمنتها و مجانبة الانسياق مع خزعبلاتها و مناوراتها و تكتيكها ...
ولأنّني أصيح لصوت بعض المغرّر بهم أو المنغرّين ذاتيا يتّهمونني بأنّني أتّهمهم  بما ليس فيهم و ألبسهم لبوسا ليس لهم فإنّني أقول : "أنا أيضا حرصت على تعميق اطلّاعي,وقارنت,,حلّلت ,و استمتعت ,وشاهدت فلم أجد في خطابكم لا إخلاصا ولا صدقا و لا وضوحا و لا ديمومة...أنتم تقولون الشيء و ضدّه و ضدّضدّه , وكلّ منكم غار لا قرار له الأسرار المخبّأة فيه من كلّ لون و كلّ صنف و كلّ هول...وجميعكم غابة استوائية فيها أهوال و أغوال...أنا أيضا حلمت بأنّكم تغيّرتم فعلا و أنّكم تعلّمتم فعلا و أنّكم أصبحتم مدنيين فعلا...ثمّ تبيّن لي من تكتيكاتم و تنقّلاتكم و تهافتكم على الجوامع و المساجد و الملاعب ووسائط الاتصال و باحات المطارات وزوايا السفارات و أموالكم الممنوحة هنا و هناك ,أنّه لا يمكن أنّه لا يمكن لراجح عقل أن ينتظر منكم ما تبدونه ...فوراء
 سواتر ما تبدونه هول ما تتستّرون عليه و تسرّونه فيما بينكم.. و لمن يلومني بالادعاء أنّني أحكم على النوايا أقول: فليعلنوا بجلاء و نصاعة أنّهم ضدّ العنف و ضدّ خنق الحريات...وضدّ الانفراد بالرأي وضدّ بسط رؤيتهم للدين,ومع التعدّد بكلّ ألوانه و أصعدته و أنّهم مع احترام الاخر  بل الاخرين ومع احترام المواثيق الدولية المتعلّقة بحقوق الانسان جميعها , وسواء كان الانسان رجلا أو امرأة ...و ليلتزموا جهارا على أنّهم لن ينقلبوا على كلّ هذا إذاما  هبّت ريح نفخت في أشرعتهم و دفعت بسفنائهم لتسبق...
و اذا ما قيل لي :لما كلّ هذا التوّجس و كلّ هذه الحيطة و انعدام الثقة , فإنّني سأجيب : لأنّ الخلط بين السياسة و الدين برهان على فكر شمولي مستبدّ و مقاتل .و لأنّ إسناد الخيارات و البرامج و الخطابات السياسية للماوراء و المافوق و لقراءات محنّطة  لا يدعو الى الاستبشار و الاحساس بالأمان و لأنّ ادّعاء امتلاك الحقيقة الربّانية لا يبث في النفس الطمأنينة 

يا هؤلاء ,و يارفيقي قديما حمّة : أنا ابن لامرأة  أحبّها كثيرا  فلولاها ما كنت  و لولا صبرها  و تفانيها ما عشت  و لولا حرصها ما فككت  الحرف فهي قد رافقت  تعلّمي و هي لم تتعلّم ... و أنا أخ أخوات أحبهنّ كما نفسي كابدن  و حال ضعف الحال و تفضيل الذكر بين بعضهنّ و الدراسة و لولاهنّ  ما عشنا ما عشناه ...و أنا زوج امرأة أعشقها لولاها لما وجدت طريقي و ما صمدت أمام الأنواء ...و أنا أبو بنيّة  هي في فؤادي و دمي و أفخر بأنّني تعلّمت منها المكابدة و التحدّي  و قهر الأقدار و ارتفاع الهامة. و لي حبيبات و معارف و مواطنات أخريات كذلك وجدت فيهنّ  المناصرة و المؤازرة  و الوفاء و الصدق و خبرت فيهنّ ما لم أجده و لو لوهلة في كثير من الرجال. 
يا هؤلاء و يا رفيقا قديما , حمّة : لكلّ ذلك و لأنّني أؤمن بالانسان  قيمة و قدرا ووحدة متناغمة , أنا هكذا , و هطذا أظلّ و لن أرتاح لكلّ سياسيّ يتستّر بالدين و لكلّ فعل دنيوي يتمنطق بالدين

و رغم أنّ ما سأقوله الان لا يعدو أن يكون إلاّ حلما أو خرفا سأقول :"كم أتمنّى أن يكذّبوني, وكم سأسعد لو لم أعد أجد لخشيتي ما يسوّغها".

الفساد وما أدراك ما الفساد (الصباح 22 سبتمبر 2011 ص 10)

الفساد وما أدراك ما الفساد !
كلّ الملفات التي فتحتها الثّورة –ملّفات التشغيل/ وتنمية الجهات، وتوزيع الثروة، وسوء استخدام التشريع والتقنين، ونوعية المشاريع، والقهر الاجتماعي والسياسي، والتعذيب، والظلم، وشطط الاقتراض وما سوى ذلك... –كل الملفّات التي فتحتها الثّورة متى تأمّلنا فيها، بل حتّى متى اكتفينا بمجرّد تصفّح ورقاتها الأولى، تُحيلنا وتقودنا ضرورة إلى مسألة محورية اسمها الفساد .
فالفسادُ قد عمّ بلادنا، بمختلف أنشطة الناس : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية وغيرها، وبمختلف الأنحاء والمناطق...
والفساد لم يقتصر على الاستثمارات والتمويلات والتأمينات والتجارة والصناعة فحسب بل شمل القطاع الفلاحيّ (استملاكا لما هو عامّ، –أرضا وماء وتجهيزات- ونهبا للتمويلات الموضوعة، نصّا، لتنمية القطاع...) وقطاع الخدمات السياحية وغيرها، وقطاع التربية (بيع الشهادات ومواطن الشغل والترقيات... إلخ) وقطاع الإعلام (شراء الأقلام الأوروبية والشرقية وتمويل جرائد ومجلات وكتب وإذاعات وتلفزات...)...
ولأنّ فم الفساد جائع على الدّوام لا يشبع أبدا فإنّه طال أوجه النشاط أيّا كان حجمها حتّى عطّلها، وأوقع في حباله حتّى مؤسسات كانت تحيط بها هالة من القدسية ولا يجرأ عليها أحد كالدّيوانة والحدود ومختلف المصالح التي من دورها تسليم تراخيص تخضع لضوابط معلومة...
ولأنّ الفساد تغوّل فهو، بعد أن اعتمد على أجهزة ومؤسسات وأصحاب مواقع في الدّولة، قد ابتلع الدّولة بطمّ طميمها –أو يكاد- وسخّرها لخدمته هو مصّاص الخيرات والثروات والدّماء الذي لا يصحّ وصفه حتّى بأنّه مافيا إذ أنّ المافيا، خلافه، وخصوصا خلافه في سنواته الأخيرة، لا تعطّل التنمية تماما بل توظّف عليها إتاوات غير شرعية وتكتفي بجني بعض من فوائدها، لأن الفساد تغوّل فهو قد أحكم قبضته على جلّ مفاصل الدّولة ومواطن التصميم والقرار والتنفيذ فيها :
- فالرئاسة – رئيسا ومستشارين وديوانا وحكومة ظلّ –أصبح همّهم الأوّل تيسير الأمور للفاسدين ؛
- والحكومة، وإن هي ظلّت –بحكم الضرورة- تسيّر البلاد وتحقّق بعض الإنجازات، قد سُخّرت طاقات هائلة تتبعها لخدمة الفاسدين ؛
- وأغلب الأجهزة القضائية وجلّ أجهزة الأمن أضحت مجرّد أدوات تنفيذ تأتمر بأوامر الفاسدين وخدّامهم ذوي المراتب العليا ؛
- وحتّى السلطات التشريعية أصبحت مجرّد يد تكتب ما يملى عليها حتّى أنّها شرّعت حتّى لما لم يكن من المعقول مجرّد التجرّؤ على تخيّل تشريعه : كالحصانة المطلقة التي منحت للرئيس، والمنافع العميمة التي قرّرت لعائلته، وإمضاء اتّفاقيات الصداقة والتعاون مع جزر قصيّة، لا صلة ولا منفعة لبلادنا بها، لمجرّد تأمين تهرّبهم و هروبهم وتهريبهم، وكالمصادقة للحكومة على إمضاء اتّفاقيات ملزمة للبلاد دون النظر فيها...
ولأنّ الفارّ كان يعي أنّ استشراء الفساد هو محور الهبّة الشعبية التي عصفت بسلطانه فإنّه قد بادر في أواخر ساعاته، التي حاول فيها مراوغة الشعب بوعود إصلاح، بإقرار مبدإ بعث هيئة مستقلّة تتقصّى الحقائق المتعلّقة بالرشوة والفساد.
ثمّ جاءت حكومة الغنّوشي، التي كان همّها الأوّل المحافظة على النظام المنهار حتّى انهارت هي، فأحدثت هذه الهيئة : لجنة على شاكلتها :
- لجنة يتمركز فيها القرار بكلّ أبعاده عند رئيسها ذي الصلوحيات المطلقة،
- ولجنة لا شفافية في أعمالها، ولا وضوح في أهدافها، ولا دقّة في سيرورة أبحاثها، ولا خطّة بيّنة لسيرها، ولا منهج يتحكّم في أولوياتها ؛
- ولجنة عسر على المجتمع المدنيّ التفاعل معها، فهي وإن قبلت ببعض ممثّليه أعضاء في هيئتها العامّة، قد انتقتهم أو كادت بمثل ما اِنتقت به أعضاء هيئتها الفنية. وهي قد أغلقت أمامهم إمكانية الاطلاع على الملفات وضبط توجّهات عمل اللجنة الذي يدخل في صميم مشمولاتهم. وهي قد صمّت آذانها إزاء جميع ملاحظاتهم واقتراحاتهم التي لم تكن الغاية منها سوى إصلاح شأنها –وهي قد تعاملت مع الاستقالات التي دُفع إليها بعض أعضائها دفعا بصلف وعنجهية وأحيانا حتّى بالازدراء والادّعاء... وهي قد تعاطت مع الهيئة العليا التي من دورها مساءلتها وتقويمها بكثير من التعالي والاحتقار وحتّى القذف ؛
- وهي لم تفد النّاس لحدّ الساعة، بأيّة تحليلات أو تقييمات تفضح منظومات الفساد وتفكك تركيباتها، ولم تطح بأجهزة فساد بعضها ما يزال يشتغل وبعضها معروف للعامّ والخاص، وظلّت تكتفي بأعداد الملفّات التي وصلتها والتي عالجتها .. وهذه لا تؤخّر ولا تقدّم في الفهم والإدراك والمكافحة، ولا تفسّر ولا تبرّر محدودية عدد الملفات المحالة إلى القضاء وأسباب الاحتفاظ بسواها. وهي لم تعمّم لحدّ الساعة أيّ تقرير مفيد حول أنشطتها ؛
- وهي – فيما يبدو- لم تستخدم الصلوحيات الواسعة التي مُنحت لها لتستبق الأحداث وتسبق معدمي الملفّات... فرغم أنّها تمتلك حقّ مساءلة أيّ كان، وطلب أيّ ملفّ، والتعويل على جميع الهيئات الرقابية والأجهزة الإدارية، فهي في ما يظهر من ندواتها الصحفية التبريرية في عمومها، قد ركّزت على مداهمات القصور الرئاسية والاستماع إلى عدد من الشخصيات الرسمية... وظلت تتحدّث عن الفساد بما يفهم منه أنّها لا ترى منه سوى "مآثر " لبن علي وعائلته وأصهاره دون سواهم ؛
- وهي قد انطلقت تعمل على استدامة وجودها بالإعداد لجهاز قارّ ودائم تعتمد في إنشائه على القانون المقارن وتجارب بلدان أخرى أغلبها فاشل بدل أن تبنيه على أساس "تفريك رمّانة" ماضي الفساد وحاضره في بلادنا : آليات، وعمليات، ومنظومات ومراوغات للقانون والمؤسسات ؛
- وهي ما تزال تصرّ على غلق أبوابها أمام الرأي المخالف لرأي رئيسها، بل وأمام أيّ رأي حتّى وهو لا يسعى إلاّ لتفعيلها وتقويتها و"تعديل أوتارها" بما يحوّلها من مجرّد لجنة محدودة الإشعاع إلى واحدة من أهمّ مؤسسات العدالة الانتقالية التي يحتّم الظرف تفعيلها ؛
- وهي ما تزال تفاخر بأنّ "الدّولة هي التي أحدثتها" وأنّها باقية، وأنّها مفلحة في أعمالها، في حين أنّ المجتمع المدنيّ منصرف عنها، يدير لها ظهره ويسعى إلى تدارك عثراتها ونقائصها وحرنها بوسائله وجهده الذاتي، حتّى أن مقاومة الفساد وفضحه أصبحت تتمّ في غالبها خارج دائرة فعلها هي المحدثة للغرض والحائزة على جميع الإمكانيات والصلاحيات للفعل الحقيقي،
- وهي ما تزال تقتّر في تعميم معطيات ووثائق ليست ملكها الخاص، وتتصرّف في أرشيف غال وثمين وتاريخي في غير شفافية، ولا تعطي المعلومة حتّى متى تلقّت أذونا قضائية في ذلك إلاّ بعد طول تمنّع ومخاتلة ؛
- وهي، وإن تبجّحت بأنّ عملها سيتواصل ويستمرّ وسعت إلى استدامة وجودها، لم تول اهتماما يذكر –حسب ما يظهر من القضايا المنشورة ومن "غزواتها الإعلامية"- للفساد الذي ما يزال ساريا في القطاعين المنظم وغير المنظّم ؛..
- وهي تصرّ على أن لا تقترب من الشعب أكثر بالخروج إلى الجهات والمناطق... كما تصرّ –فيما يبدو –على أن لا يمضي جميع أعضائها إبراء ذمة يقطعون به الشبهات والدعاوي التي تطال بعضهم...
-
ولا يظهر من المعطيات الميدانية أنّ الحكومة الحالية قد تعاملت مع هذه اللجنة بغير ما تعاملت به معها سابقتها... يظهر ذلك في ما سلف تبيانه، ومن واقع أنّ الوزير الأوّل، بدءا، ثم الرئيس المؤقت لا يشيران إلى هذه اللجنة وأعمالها إلاّ عند استقبالهما تباعا لرئيسها الذي يتكرّم بزيارتهما كلّما ابتغى المشاركة في ملتقى دولي بالخارج أو تنظيم ملتقى يظلّ حديثه عنه لوسائل الإعلام هلاميا وغامضا من حيث محتواه والمشاركون فيه ولا يصرّ صاحبه فيه إلاّ على التشديد على مشاركة جهات دولية فيه كأنّ في ذلك الضّامن للنجاح !
الفساد محور الثورة، وفي مقاومة الفساد بحزم وشفافية نجاحُ الانتقال الديمقراطيّ فلماذا يحدّ رئيس اللجنة من نجاعة لجنته ويحيطها بالكتمان والعتمة ولا يبنيها على أسس الاعتماد على الشعب ووضوح الخطة وسواء السبيل؟
ولماذا يجرؤ على جرجرة رئيس الدّولة المؤقت لإكساء ملتقاه القادم المبرمج ليوم 22 سبتمبر بالحمامات عباءة رسمية عليّة ؟
ولماذا يستجيب رئيس الدّولة رغم التجاذبات التي تحيط بعمل اللجنة.
الصادق بن مهني
19 سبتمبر 2011

13 sept. 2011

أضغاث أحلام ؟



يحدث  كثيرا أن لا أنام إلا نوما متقطّعا تختلط فيه أضغاث الأحلام بإرهاق الأرق بثقل الكوابيس بسرابات اليقظة غير المكتملة و بما يفيض من الأنا المتخفيّة أو يتسّرب من مزيج يجمع بين ذكريات الماضي و عذابات الحاضر و انتظارات المستقبل.
 و في ليلة من ليالي الأسبوع الماضي رسخ  في ذاكرتي ما سأرويه هنا و أنا لا أدري هل هو حلم أو كابوس، أم فكر وليد فترات اليقظة التي تخلّلت لحظات النوم المتقطعة، أم خليط من هذا و ذاك:
حلمت أو تخيّلت أو خامرتني فكرة أنّ التونسيين يتخلّون عن المطالبة بمحاكمة الجبان الهارب و لا تعود تستهويهم الرّغبة في محاسبته و محاكمته و معاقبته ... ,و أنّهم يوجّهون وفد شبّان و شابّات يعاهدونه هو و السلطات التي وهبته القرى على أنّه إن عاد إلى البلاد سيحظى بالأمان فيؤويه حتّى فيضان روحه الخبيثة ذاتُ المنزل الذي سجن فيه سلفه و تبذل له فيه الخدمات ذاتها التي أمّنها هو لمن انقلب عليه... و رأيت الوفد يؤكد للفارّ أنّه سيسمح له حتّى بأن يخرج من حين لآخر ليزور الأمكنة التي فتنته فيها ليلاه و حتّى بأنّ يقدّم للتأسيسيّ أو لمن يعيّنه التأسيسي  رئيسا مؤقتا شهادات الولاء و الإخلاص ، بل حتّى و بأنّ يقرأ على  النّاس خطابا أخيرا يعدّه المختصون الذين كتبوا له  خطاب الثالث عشر من جانفي 2011  يروي فيه وقائع اليوم الموالي الخالد ، يوم 14 جانفي، كما يراه هو ، و يبكي فيه بلادته الذهنيّة و عماه و صممه و ينهيه بأنّ يعتذر لا لليلاه، لبل لمحمّده و لجميع أبناء و بنات شعبنا الذين سدّ أمامهم الأفق و أورثهم تركة تكبّل أعمالهم و تكبح مطامحهم و تعطل مساعيهم لأمد طويل... و رأيت الصّانع الصنيعة يهش و يبش و يسارع بالاستجابة و بقبول كلّ شروط الوفد و في روعه أنّه إن عاد سيفلح في صنع انقلاب آخر يهيء له ظروفه و عوامله  صنائعه المنبثّون في كلّ مكان من مواقع صنع القرار و مفاصل النفوذ... و رأيت وفد الشابات و الشبان يعودون بالواجف الراجف المخلوع(بالمعنى العاميّة للكلمة) ، فيضعونه حيث قالوا و يضعون أمامه كاميرات و مسجّلات و حتّى أوراقا و أقلاما رغم علمهم بأنّه لا يكتب... و اتضح لي أنّ الوفد إنّما اشترط على المستردّ أن يسرد تاريخه الحقيقيّ و سيرته الذاتيّة التي لا يعرفها أحد سواه أفضل منه و اعترافاته بكلّ ما فعله و ما فعل به و ما فعل تحت إمرته أو بحمايته... رأيت الأمان يبذل للمخلوع لقاء إحياء الذاكرة و إذكاء الفهم و تفكيك منظومات الفساد ... و رأيت صاحب مؤسسة التميمي مبتهجا جذلان ...
و حلمت أيضا بأبناء و بنات الشّعب ممّن صنعوا الثورة و ليس ممّن ركبوها أو زايدوا عليها أو من الساعين لاستدراجها إلى عدمها يهبّون إلى القصبة، و ينادي مناد منهم بمنح الأمان للباجي و رشيد و فؤاد و بعض آخرين ممّن حولهم ، عهد أمان يضمن لهم أنّهم لن يساءلوا عن الماضي و أنّ جميع ما قد يثبت عنهم من خطايا لن يلاقي إلاّ الصفح شريطة أن ينصرفوا إلى خدمة الشعب وحده، خدمة أهداف الضحايا الذين لولاهم لما احتلّوا مواقع لم يكونوا حتّى ليحلموا بها ليوم بل للحظة ... و رأيت المذكورين يهبّون يغالبون تردّدهم و تذبذبهم و يلتفون إلى ستائر ورائهم ينفضونها فتنقطع و تصبح حبائل تكبّل حركات أشباح لم أتبينّهم... و رأيت الانفلاتات الأمنية و الطرقية و الاقتصادية و الإعلامية تتراجع كجزر عظيم لكن ما بعده تسونامي... و رأيت البناء الفوضوي يتهاوى... و رأيت الناس يهتفون:"مساءلة فمحاسبة فصفح". و رأيت بني التجمّع يعتذرون متباكين عن إسهاماتهم في بناء مملكة الظلم و الظلام... و رأيت المرحلة الانتقالية تقطع على نسق الأنترنات و ليس على وتيرة سير الإبل أيّام الريح السموم... و رأيت بلدي يتوهّج ألقها من جديد... و رأيت النجمة في علمنا تراقص هلالها و الأحمر فيه يضحك جذلان... و رأيت رضّعا و أطفالا بل و حتّى جنينا منشرحين في تاله و الرقاب و مدنين... و سمعت زغردات لا تنقطع... و رأيت الناس يتزاورون و يتحابون و يتضامنون و يصّر كلّ منهم أن يكون هو خادم الآخرين... رأيت التونسيين يستعيدون أخلاقهم النضرة التي رأيتها فيهم في جانفي و فيفري 2011 ... و لم أعد أسمع سؤال الحيرة الذي أنهكني:"كيف ترى المستقبل القريب. و هل ستنجح الانتخابات و هل ستنتهي الفوضى؟"
الصادق بن مهنّي
12 سبتمبر 2011

سي الباجي وفاؤك له مدعاة للإعجاب فلتف بالمثل للشّعب

بعجبني في الوزير الأول الباجي قائد السبسي وفاؤه. فهو وفيّ لمعلّمه و زعيمه  ومثله الأعلى لحدّ التماهي معه. وهو وفيّ لمجاهده لحد يبدو معه أنه اعتقد أن الربّ أو الزمن أو القدر أو الصدفة أو حرص الثّوار على الوفاق و حرص الثّورة على سلميتها و طول نفس فاعليها وسعة صبرهم لم يأتوا به هو لأمر آخر غير أن يحوّل الثّورة من ثورة كرامة  وحرية وتنمية واستحقاقات شغل إلى ثورة ردّ اعتبار بل ثورة أخذ بالثّأر للزّعيم الأوحد من ذاك الذي هرب.
ويتجلّى وفاء سي الباجي في حرصه وهو يتكلّم على أن يظهر بمظهر معشوقه في حركاته وسكناته وطريقة خطابه وردود فعله وغضباته المبرمجة مسبقا وتضخيمه لأناه وتشديده على هيبة الدّولة التي هي هو وتهكّمه على من يجرؤ على أن لايشاطره رأيه أو لايصفّق له.
وفاء سي الباجي لملهمه ظهر منذ اليوم الأول  الذي رأيناه يفتح فيه فاه . . .فهو لا يسهو أبدا، وكلّما تحدّث ،عن ذكره والتبريك له و تطييب ذكراه ،وتقليد أسوإ ما كان فيه :عنجهيته وغروره وتسلّطه.
غير أن الحدث الذي تجلّى فيه وفاء سي الباجي لسيده بأكثر صفاء هو خطابه الأخير :
فمن حيث الإخراج والتّوزيع الرّكحي رأينا سي الباجي يقف على مصطبة قعد على طرف منها من اصطفاهم من حكومته يكادون يتخفّون وراء عرصة وقفت أمامهم كأنها القدر المحتوم ، وتظهره الكاميرا كلما تحدّث عنهم ووجّه وجهه نحوهم كأنما ليطلب شهادتهم  أو ليورّطهم وكأنه يبحث عنهم في حفرة الموسيقيين لكن وراء الرّكح. ورأينا أعضاء هيئتين مستقلّتين أو هكذا توصفان بل إن احداهما ادّعت لنفسها ذات أيام حتى حقّ مراقبة الحكومة – يقبعون كما الخجل الوجل في مرتبة أدنى في ركن منزو من القاعة الفسيحة التي تصدّرها هو واقفا مرتفعا عن الجميع وانتصب وسطها –أغلبهم قعودا- جماعة من الصّحافيين المتهيّبين ينتظرون متى تصعقهم أو تصعق بعضهم أو أحدهم غضبة الواقف العظيم المهيب
وأنا أرى الرّكح والإخراج  تراءت لي صور ثابتة شتّى عتيقة، صور بورقيبة وزيرا أول أو أكبر يرسي سلطته الباتّة ويبسط نفوذه المطلق ويسوّي مؤسّسات الدّولة اليافعة على مقاسه...
وخيّل لي أن سي الباجي قال لنا خطابا وأبلغ إلينا خطابا غيره ... وعندما سمعته يذكر أن الرّئيس على علم بقراراته سمعت بورقيبة يتحدّث عن الأمين باي الذي من المرجّح أنه لم يكن يدري وقتها أن مملكته تعيش أنفاسها الأخيرة أو على الأقلّ لم يكن يعي جيّدا أن ابنه البارّ سينقضّ عليه بعد حين قصير ... ولبرهة ربّما لم تكن أطول من رمشة عين .تبدّى لي سي الباجي رئيسا انتقاليا يشغل قاعة الاجتماعات الكبرى بقصر قرطاج ويخطب خطبة عصماء تعيد إلى القصر المجاهد االأكبر (وهو في عرفه غير الشّعب الذي لا مجاهد ولا أكبر سواه كما كان يحلو لنا أن نقوله ونكتبه  منذ السّبعينات  وندفع لقاءه بعضا من عمرنا سجنا و تشريدا )
ولما توجه سي الباجي إلى بضعة الرّجال معهم امرأة في ذاك الرّكن الواطئ على يساره ليشكرهم تبدّى لي بورقيبة المتعملق يقول لتأسيسيّه و"منظّماته القومية " : "أنتم منّي ... وبدوني لن تكونوا إلاّ عهنا منفوشا"...أمّا لمّا تبجّح بأن لا أحد سوى حكومته (التي سلف أن وصفها  بأنّها أفضل حكومات تونس بعد حكومة الاستقلال الأولى) يحافظ على الثّورة، فلقد تبدّت لي في صوته نبرة سخرية تضحك على ذقون الجالسين هناك المؤتمنين على أهداف الثّورة  وتريد أن تهزأ من كلّ أولئك الذين استشهدوا أو جرحوا أو فقدوا أحبّتهم او استنشقوا غازات مستوردة بالعملة الصّعبة أو أصابتهم هراوات حرص هو وأتباعه أن لا تفارق الزّبانية وأن لا تقع في البطالةحتّى أيّام حكومته المثالية المتفرّدة و إلى اليوم .
وعندما تكلّم سي الباجي عن الانفلاتات وأزبد وأرعد وهدّد وتوعّد
وأعلن حالة الطّوارئ وحلّ النّقابات وأذن بالويل والثّبور فلقد رأيته قد انتفخ كما لو كان عرفه وهو ليس عرفه ، وخشيت أن يهلكه وفاؤه وأن يكسر عظمه إصراره على مطاولة هامة أستاذه وأن يهزّئه من هزئ منهم.
ولما تحدّث سي الباجي، في شبه إيحاء أو إيماءأو بسط ألغاز عن الاستفتاء، فتحلّل منه وتبرّأ ثمّ هشّ له وبشّ ، وبسط له فرشا من ديموقراطية  وتوافق ، رأيت بورقيبة وهو يحثّ التّأسيسي بداية على الانقلاب على الملك ويشرع في- غير إعلان- في إقامة ملكه هو الجديد، ثم وهو يطيل أو يهمس لمن يتبعه دون شرط ولا حتى أبسط نقاش بأن يطيل عمر التّأسيسي حتى يغالبه ويسبقه فلا يكون الدّستور إلاّ عهدا يكرّس ما أراد وما بنى .
ورغم الخشية والتّوجّس ورغبة جامحة في أن  أنزع من دماغي ما يتوارد عليه من تحليلات وصور وتخمينات ومقارنات واستقراءات انتابني إحساس بالرّهبة وخشيت على مجلسنا التّأسيسي القادم علّه لا يقدم أو يقدم مشوّها أو مبتورا أو يرقد للأي في رحم أمّه وقلت في نفسي : ٌ لماذا تصرّ هذه الحكومة على اللّعب بأعصابنا فلا تنفكّ تعدّد الموانع والعراقيل والمعوقات والصّعوبات والانفلاتات حتى ليخيّل للمرء أنّها تهواها وتعشقها فتراها حتى حيث لا توجد ويحسب (على الأرجح غالطا ) أنّها قد تكون   تنفخ فيها لتشغل النّاس بها أو لتنشر الفزع  وتسعى إلى خيبة المسعى ؟ ولماذا يصرّ هذا الوزير الأول على أن يصمّ أذنيه عن نداءات القصبة والقصرين وسيدي بو زيد ووسط العاصمة وكلّ أنحاء البلاد وأرجائها الدّاعية إلى إسقاط النّظام كلّه لا رأسه فقط وجميعه لا بعضا من مؤسّساته فحسب ،ولماذا لا ينصت إلى الذين قالوا : " ها أننا غادرنا لكنّنا إن عادوا نعود" وهم يهتفون :" نريد مجلسا تأسيسيّا حقّا  يؤسّس لنظام جديد بديل يكرّس القطع الكامل مع ما سبق ،كلّ ما سبق ، فيهبنا دستورا جديدا ، ويمنحنا نظاما يوائم طموحاتنا ومواطنتنا، ويفتح في وجوهنا أبواب الأمل "، ولماذا يحرص هذا الوزير الأول الذي جاء أو جيء به أصلا ليكرّس مطامح الشّعب  في أوسع تجلّياته  وبأغلب فئاته على أن لا يسمع إلاّ تلك القلّة القليلة من المتعنّتين الجاذبين الى الوراء والمنادين إلى الردّة والمناشدين باستدامة المتهاوي .                                   وفاء الرّجل يبهرني.
لكنّني أخال أن الرّّجل غير الرّجل الذي يصبّ عليه وفاءَه، وأن الزّمن غير الزّمن ، والجمهور غير الجمهور والظّرف غير الظّرف...
ولأن الحال هي على هذه الحال فمن اللاّزم أن يتغيّر الخطاب ونسق الخطاب ، ظاهر الخطاب أو منطوقه ومرئيّه وباطن الخطاب وإيحاءاته والمسكوت عنه فيه .
يا سيدي الوزير الأول : قطعا يعجبني وفاؤك...لكنني أخشى أن  يكون في وفائك لمعلّمك وعرفك ما يجعل بصرك يزيغ فلا تدرك أنّك تخاطب شعبا أغلبه لا يعرف معلّمك ولا يرى مثلك أنّ عليه واجب الوفاء إليه ، وما يؤدّي بك إلى سوء التّقدير فلا تدرك أنّ مطامح الشّباب المتحفّزلا يصحّ مغافلتها ولا تقوى عليها قوّة مهما تخفّت وتلوّنت وخبثت...
يا سيّدي الوزير الأول: معك قطعا حقّ الاختلاف وحقّ الحذر والحيطة لكنه ليس من حقّك أبدا أن تنصّب نفسك حاكما بأمرك وبورقيبة جديدا لا يسمع إلاّ أناه ولا يتساهل إلاّ مع السّاعين إلى مغالبة سير التّاريخ و ثني حركة الانتقال ... وقد يكون من حقّك أن تنادي مع من ينادي إلى ضبط عمر التّأسيسي وتقصيره لكن دخولك التّاريخ  معزّزا وحسن الذّكر قد يعطّله إشراكك في المسّ من صلوحياّته والتّعدّي على شرعية صندوق الاقتراع بتغوّل حكومة لا شرعية لها إلاّ بالتّوافق البسيط الذي لا يرقى إلى شرعية صندوق الاقتراع.
يا سي الباجي :أتحوّل مناشدا فأناديك إلى الوفاء بوعدك للنّاس بأن تؤدّي الأمانة وتقود السّفينة إلى مرفئها... وأغار عليك فأقترح أن ينظر- توافقا أو في التّأسيسي- في إقرار بقائك وحكومتك(بعد تعديلها وطرح من من الأنسب عزلهم منها) حكومة انتقالية ترافق التّأسيسي هي والرّئيس المؤقّت ،لكن مع خضوعها الفعلي لرقابته وإشرافه  وتخلّيها له عن كلّ ما هو تشريعي ...
وأخاف عليك تماهيك حيث لايصحّ التّماهي فأرغب منك في أن تكون أنت أنت ،وأن تـدخل التّأريخ علما عرف كيف يمهّد للانتقال مجراه .

الصّادق بن مهنّي         12  سبتمبر 2011