17 oct. 2011

الصادق بن مهني أحد أبرز زعامات اليسار في السبعينات لـ«الصباح» بروز «فاسدين جدد» وتهميش الشباب يقللان من مصداقية انتخابات «التأسيسي» الصباح 15 أكتوبر مع النص الأصلي


هل ينبغي أن توجد دوما أقلية «تغرد خارج السرب»؟ وهل يمكن أن نسمع اليوم سياسيين كانوا في المعارضة في عهدي بورقيبة وبن علي يفكرون في «مقاطعة» الانتخابات يوم 23 أكتوبر القادم رغم مشاركة حوالي 1500 قائمة فيها من «كل الالوان»؟
الاستاذ الصادق بن مهني القيادي اليساري البارز لحركة «العامل التونسي» اليسارية في السبعينات ورفيق حمه الهمامي في محاكمات 1973/1974 للقيادات الماركسية ووالد الناشطة «لينا بن مهني» (التي ترشحت لجائزة نوبل) طور موقفه من مساند متحمس لانتخابات التاسيسي الى معارض لها بقوة.. منتقدا «تعويم البلاد بالاحزاب والقائمات» وانتشار «فاسدين جدد» وتمييع ملفات «الفاسدين» المورطين في مرحلة ما قبل ثورة 14 جانفي؟
في هذا الحوار الصحفي مزيد من التفاصيل:

الصادق بن مهني كان من بين السجناء السياسيين البارزين في السبعينات.. وقد قضيت 6 اعوام بين سجون بورقيبة.. كيف تعيش اجواء التحضيرات لانتخابات 23 اكتوبر بعد عقود من «التهميش السياسي» للمعارضين قبل نوفمبر 1987 وبعده؟

طوال عمري وأنا أحلم بأن يجيء يوم أكتسب فيه حق الاقتراع وحق أن أمشي إلى صندوق الانتخابات واثق الخطوة وفي خيلاء وطمأنينة.
طوال عمري وأنا أحلم بأن أتيقن ذات انتخاب من أن الانتخاب انتخابٌ حق، وأن من واجبي أن لا أغبن لا نفسي ولا المترشحين ولا انتمائي بأن لا أسير إلى الصندوق.
ولكنني أنا المشرف على خريف العمر لم أحظ، لحد الساعة، ولو مرة بفرصة ولو نسبية، لأسهم في انتخابات وطنية أكون مقتنعا بجديتها، وسلامة طوية المشرفين على تنظيمها، ويكون فيها تنافس حق، وتخرج عن نطاق المهازل والمسخرات.
ففي، عهديْ الجمهورية الأولى لم تكن الانتخابات الوطنية إلا مسخرات سيئة الإخراج، لا تشعرك المشاركة فيها بأنك تحظى بحق المواطنة وتؤدي واجبها...
ثم قاطعتها أواخر العهد الثاني عهد السارق الباغي..
ورأيت في الامتناع أفضل منهج للتعبير عن عدم اصطفافي وتمسكي بمواطنة حقة وبانتخابات حرة، خصوصا أن تزوير الانتخابات كان يحول دون أن تحوز أية ممارسة أخرى مثل التصويت الأبيض أي اعتبار.

لكن ألم تتغير الأوضاع بعد 14 جانفي؟

بعد 14 جانفي 2011، انضممت، من موقعي كمواطن بسيط، إلى صف المنادين بجمهورية ثانية ونظام جديد، وناديتُ منذ الساعات الأولى إلى انتخابات تأسيسية.
تشهد لي على ذلك نقاشاتي في القصبة ووقوفي أمام أبواب مجلس النواب مع ثلة من المناضلين يوم مهزلة الاجتماع الأخير لـ»نواب الأمة» الذين لم ينوبهم الناس أبدا، ثم لحاقي بنخبة من المواطنين تظاهروا قرب قصر قرطاج وقابل نواب عنهم الوزير الأول المؤقت حينذاك السيد محمد الغنوشي، وكان مطلبهم الأهم الإعلان عن انتخابات التأسيسي...
ولكنني إلى ذلك اخترت أن أنشط أولا وأساسا ضمن تعبيرات المجتمع المدني غير المتحزبة وغير المصطفة إيديولوجيا وسياسيا، وكمدون على الشبكة الإلكترونية، وعبر التدخل في وسائل الإعلام...

إغراق البلاد بالأحزا ب والقائمات

ما هي تحفظاتك الرئيسية إذن؟

لم أتوان أن أنتبه إلى زحف الزاحفين من هنا وهنالك الذين يسعون إلى ضرب التأسيسي: هذا بالعمل على إغراقه بالأحزاب والقائمات والقذرين، وذاك بتحقيره وتقزيمه والمناداة إلى انتخابات رئاسية على حدة، وإلى تقييد مهام المجلس التأسيسي باستفتاءات قدوها من أوهامهم ومن رغباتهم، وتلك أقصد السلطة المؤقتة التي لولا الشعب لما كانت تسعى إلى التعملق والتغول وتنصب نفسها جلالة فوق الجميع وملكةً للحق والفعل والثورة... وفي ذلك كتبت وتكلّمت... ولعل كثيرا مما شحذ فعلي هذا يكمن تفسيره في عبوري من اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة، التي قرأت فيها خيرا وحسبتها انطلاقة ونواة لعدالة انتقالية حقة فوجدتها «خدعة وخزعبلات» واستمرارا لعهد قديم يُقاوم زواله.
نقاط استفهام خطيرة؟

لكن البعض يعتبر أن المسار العام سليم وان الانتخابات ستعيد الشرعية الى مؤسسات الدولة والبلاد؟

كنت أعتقد ذلك لكن الأيام الأخيرة غذت لدي أسئلة هائلة: لماذا كل هذا التهالك على وفاقات سابقة لأوانها؟ ولماذا تم حل التجمع بذلك اليسر المذهل ولكن مع الامتناع عن أي فعل محاسبة وتجميع وثائق ومصادرة بينة؟ ولماذا تم القبول بتوالد كل هذه الأحزاب المتشابهة رغم أنها تقول بالمرجعية ذاتها وأن في قياداتها كثيرون ممن هم موضوع مساءلة وممن لا شك أنهم سيكونون موضوع مساءلة لو انتصبت في البلاد عدالة حقة؟
لماذا كل هذا التباطؤ في المحاكمات؟ ولماذا عطلت أعمال اللجنة التي تحقق في الانتهاكات؟ ولماذا يحرص الرئيس المؤقت على رعاية اللجنة التي من المفروض أنها تحقق في الفساد رغم أن أكثر من طرف وأكثر من هيئة وما يسود في الرأي العام لا يقبلون بها ويطعنون في عملها؟
ولماذا تحولت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي إلى هيئة يكاد يحكمها فرد بصفة مطلقة، وإلى مهرجان خطابي لا فعل يرجى منه، وقبلت عن شبه طواعية بأن تقص أجنحتها وتقلم أظافرها وتقزم، ثم سارعت حثيثا إلى إنهاء وجودها؟

وماذا تم بعد تأجيل انتخابات التأسيسي خلال النصف الأول من شهر أوت من مناورات وتوافقات وتفاهمات ومقاسمات؟
ولماذا عادت عصا القمع الغليظة والهمجية وغازاتها السامة إلى الشوارع يوم 15 أوت واستهدفت أولا وأخيرا الشباب؟
ولماذا بدا أن لا شيء يهم من لا يزالون يسمون أنفسهم بالنخبة والقيادات سوى عدد الكراسي التي قد يحصلون عليها؟
ولماذا تهافت الغرب والشرق علينا بمستشاريهم وأموالهم وأذيالهم؟ ولماذا بدا بعض من التونسيين وكأنهم ورثة قارون؟ ولماذا نسي مناضلون قدامى أفكارهم ومقولاتهم وارتموا في أحضان المال لا يهمهم لا كيف تجمع ولا ما هواه؟ ولماذا سكتوا عن المعتدين والمتوعدين وشاحذي السكاكين المتَرصدين ببناتنا وحريتنا؟

الشباب لا ينتظر شيئا من الانتخابات؟

ألا تعتبر أن الانتخابات فرصة للشاب لفرض ممثليه في الحكومة القادمة؟

هذا السؤال وغيره من التساؤلات السابقة تنخر قناعتي بالانتخابات... ونظرة الشباب اليها.. والتي تكشف ان تيارا عريضا منه لا ينتظر شيئا كبيرا من الانتخابات..
لقد رافقت ابنتي (لينا بن مهني) »بنية تونسية «- إلى مهرجان الكتاب بـ»موانس-سارتو» بجنوب فرنسا وسمعتها في حوار مع يوسف الصديق وستيفان هيسال وغيرهما، ثم في حوار مع يوسف الصديق وسارج مواتي تعبر عن مخاوفها ويأسها من الانتخابات وتؤكد أنها لم تعد تنتظر منها شيئا ولذا فهي لن تشارك فيها... ورأيت كيف كان رد فعل عديد الفرنسيين على ما قالته لينا رغم أنه من البين أنهم يعشقونها كثيرا ويحترمون نضالها كثيرا- مستغربا ومستنكرا وغير فاهم وكالمذهول: ففي الغرب يقدسون الانتخابات ويرون فيها واجبا وطنيا لا مناص من أدائه، ثم إنه يخيل إليهم أن أهم تجسيد لنجاح الثورة هو إجراء الانتخابات.
وحاورت «لينا»... ودافعت عن ضرورة المشاركة و»السير وراء السارق حتى باب المسكن» على رأي يوسف الصديق... وفكرت في أن الحل قد يكون في الورقة البيضاء كما قالته لي فرنسية أصلها من رادس ودرست بقرمبالية.

ظهور فاسدين جدد؟

الا ترى أن في موقفك نوع من «العدمية» والمبالغة؟

يحز في نفسي أن لا أسير إلى مكتب التصويت يوم الاقتراع وباختياري..
لكن شعاعا انطلق إلى وعيي فجأة و من حيث لا أدري وجعلني أتساءل: بتشكيلة القائمات التي عرفتها جدراننا هذه الأيام، وتحت وطأة الهيئات الرسمية المؤقتة التي تناست من نصبها وتعملقت وتغولت على الشعب وعادته، وفي ظل تهافت الأحزاب والمنظمات على خيالات نفوذ، وفي مناخ فاسد بتواصل الفساد والتستر على الفاسدين وبظهور فاسدين جدد وفساد جديد، ومع انعدام الشفافية وكثرة التحركات التي تجري وراء الحُجُب أو في الظل كما يقولون، هنا في تونس وخارج تونس، وحيث أن الصحافة لا تزال مثقلة بالمعرقلات أو في أيدي حريصين على العود إلى ما قبل 14 جانفي، وحيث يسكت غالبية من لهم مصلحة في انتقال ديمقراطي حقيقي من رجال أعمال ومستثمرين ومثقفين وجامعيين وطبقات وسطى وتقدميين، أو ينجرون إلى وهم يتشبّثون به، هل يصح أن نعتقد أن انتخابات التأسيسي ستجرى في مناخ سلمي وسليم، وأنها انتخابات نزيهة وشفافة، وأنها ليست ولن تكون مجرد مسخرة أخرى بنفسجية الوقع وإن تلونت بألوان الطيف جميعا؟ وهل يمكن أن ننتظر من 23 أكتوبر أن يكون يوم ميلاد تونس جديدة؟
وإذ كبر السؤال حتى ملأني فإنني أقول: من الأرجح أنني لن أقترع! أنا لن أنادي الناس إلى أن لا يقترعوا... ولكن من الأرجح أنني شخصيا لن أقترع!
.. أليس صحيحا أنه من الأفضل دائما أن تظل قلة «تغرد خارج السرب»؟!

النّص الأصلي الكامل 

نعم ..من الأرجح أننّي أنا أيضا  لن أصوّت  
بقلم الصادق بن مهني
 
طوال عمري وأنا أحلم بأن يجيء يوم أكتسب فيه حقّ الاقتراع وحقّ أن أمشي إلى صندوق الانتخابات واثق الخطو وفي خيلاء وطمأنينة.
طوال عمري وأنا أحلم بأن أوقن ذات انتخاب أن الانتخاب انتخابٌ حقّ، وأنّ من واجبي أن لا أغبن لا نفسي ولا المترشحين ولا انتمائي بأن لا أسير إلى الصندوق.
ولكنّني أنا المشرف على خريف العمر لم أحظ، لحدّ الساعة، ولو مرّة بفرصة ولو نسبية، لأسهم في انتخابات وطنية أكون مقتنعا بجدّيتها، وسلامة طويّة المشرفين على تنظيمها، ويكون فيها تنافس حقّ، وتخرج عن نطاق المهازل والمسخرات.
ففي، عهديْ الجمهورية الأولى لم تكن الانتخابات الوطنية إلاّ مسخرات سيئة الإخراج، لا تشعرك المشاركة فيها بأنك تحظى بحقّ المواطنة وتؤدّي واجبها... ولذلك قاطعتها عندما كان في وسعي أن أشارك فيها : قاطعتها شابا يافعا في عهد باني الدكتاتورية... ثمّ أغلق أمامي باب المشاركة فيها في العهدين... ثمّ قاطعتها أواخر العهد الثاني عهد السارق الباغي : سعيتُ مرّة للحصول على بطاقة الانتخاب فمُنِعتْ عنّي وكنت مسجّلا ؛ ووصلتني البطاقة مرّة حتّى صندوق بريد منزلي، وخوطبت بما يسوّغ المشاركة بل بما يهدّد بشرور في حال الامتناع عن المشاركة. ولكنّني امتنعت... وأظهرت امتناعي...
ورأيت في الامتناع أفضل منهج للتعبير عن عدم اصطفافي وتمسّكي بمواطنة حقّة وبانتخابات حرّة، خصوصا  أن تزوير الانتخابات كان يحول دون أن تحوز أيّة ممارسة أخرى مثل التصويت الأبيض أيّ اعتبار.
وبعد 14 جانفي 2011، انضممت، من موقعي كمواطن بسيط لا يدّعي لا أنّه من الفاعلين والمؤثّرين ولا أنّه من الساسة والقيادات، إلى صفّ المنادين بجمهورية ثانية ونظام جديد، وناديتُ منذ الساعات الأولى إلى انتخابات تأسيسية. تشهد لي على ذلك نقاشاتي في القصبة ووقوفي أمام أبواب مجلس النّواب مع ثلّة من المناضلين يوم مهزلة الاجتماع الأخير  "لنوّاب الأمّة" الذين لم يَنوبهم النّاس أبدا، ثمّ لحاقي بنخبة من المواطنين تظاهروا قرب قصر قرطاج وقابل نوّاب عنهم الوزير الأوّل المؤقت حينذاك السيد محمّد الغنوشي، وكان مطلبهم الأهمّ الإعلان عن انتخابات التأسيسي... ومن الموقع ذاته، موقع المواطنة القاعدية لكن المتحمّسة لأداء دورها، ناديت بعدالة انتقالية، وقبلت مع من قبل، بمرحلة انتقالية ومؤسسات انتقالية مؤقتة، ودعمت الهيئات التي بدت لي، حينها، مؤهّلة للتحوّل إلى هيئات انتقال ديمقراطي حقّ...
ولكنّني إلى ذلك اخترت أن أنشط أوّلا وأساسا ضمن تعبيرات المجتمع المدني غير المتحزّبة وغير المصطفّة اِيديولوجيا وسياسيا، وكمدوّن على الشبكة الإلكترونية، وعبر التدخّل في وسائل الإعلام...
وعندما تمّ إقرار الانتخابات التأسيسية اعتبرت أنّ الحراك الشعبي وانتفاضة الشباب بدآ يتحوّلان فعلا إلى ثورة تتقدّم...
وصرتُ فرحا جذلان بأنّني سأشارك النّاس عملا مؤسّسا لا يخيّل لي أن شعبنا قد مارسه ولو لمرّة...
وانخرطت، مع من انخرطوا، في حملات التفسير والشّرح، وحملات التّوعية، وأعطتني نساء اِنضممن في جمعية  "التزام ومواطنة" فرصا رائعة لأخاطب العاملات والعملة في عدد من المؤسسات والمصانع والورش...
لكنّني رغم جذلي لم أتوان أنتبه إلى زحف الزاحفين من هنا وهنالك يسعون إلى ضرب التأسيس : هذا بالعمل على إغراقه بالأحزاب والقائمات والقذرين، وذاك بتحقيره وتقزيمه والمناداة إلى انتخابات رئاسية على حدة، وإلى تقييد مهامّ المجلس التأسيسي باستفتاءات قدّوها من أوهامهم ومن رغباتهم الخسيسة، وتلك –أقصد السلطة المؤقّتة التي لولا الشعب لما كانت – تسعى إلى التعملق والتغوّل وتنصّب نفسها جلالة فوق الجميع وملكةً للحقّ والفعل والثورة... وفي ذلك كتبت وتكلّمت... ولعلّ كثيرا ممّا شحذ فعلي هذا يكمن تفسيره في عبوري من اللجنة الوطنية  لتقصّي الحقائق حول الفساد والرشوة، التي قرأت فيها خيرا وحسبتها انطلاقة ونواة  لعدالة انتقالية حقّة فوجدتها خدعة وخزعبلات واستمرارا لعهد قديم يُقاوم زواله. كما حفزتني على ذلك، ولا شكّ، الحوارات الصريحة التي جرت وتجري ضمن الشبكة الوطنية لمقاومة الفساد، وما تعلّمته من بعض من مشاركاتي مع الهيئة المكلّفة بمقاومة الفساد التابعة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ومخاطبتي لبعض من الفاعلين ضمن منظّمة الشفافية الدّولية...
وممّا يثير سعادتي أيضا أنّني ساندت مبادرة ميثاق 20 مارس التي تحوّلت إلى حركة "دستورنا" منذ نشأتها إلى اليوم، وإن لم أنتم إليها.
ولقد سجّلت نفسي ضمن القائمات الانتخابية منذ أوّل يوم... وناديتُ إلى التسجيل وحثثت عليه...
ووجدت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات جسما فعّالا ونزيها ومجتهدا.
لكنّ الأيّام الأخيرة غذّت لديّ أسئلة هائلة :
·       لماذا كلّ هذا التهالك على وفاقات سابقة لأوانها ؟ ولماذا تمّ حلّ التجمّع بذلك اليسر المذهل ولكن مع الامتناع عن أيّ فعل محاسبة وتجميع وثائق ومصادرة بيّنة ؟ ولماذا تمّ القبول بتوالد كلّ هذه الأحزاب المسخة والمتشابهة رغم أنّها تقول بالمرجعية ذاتها وأنّ في قياداتها كثيرون ممّن هم موضوع مساءلة وممّن لا شكّ أنّهم سيكونون موضوع مساءلة لو انتصبت في البلاد عدالة حقّة ؟
·       لماذا كلّ هذا التباطؤ في المحاكمات ؟ ولماذا عطّلت أعمال اللجنة التي تحقّق في الانتهاكات ؟ ولماذا يحرص الرئيس المؤقّت على رعاية اللّجنة التي من المفروض أنّها تحقّق في الفساد رغم أنّ أكثر من طرف وأكثر من هيئة وما يسود في الرأي العام لا يقبلون بها ويطعنون في عملها ؟
·       ولماذا تحوّلت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي إلى هيئة يكاد يحكمها فرد بصفة مطلقة، وإلى مهرجان خطابي لا فعل يرجى منه، وقبلت عن شبه طواعية بأن تقصّ أجنحتها وتقلّم أظافرها وتقزّم، ثمّ سارعت حثيثا إلى إنهاء وجودها ؟
·       وماذا تمّ بعد تأجيل انتخابات التأسيسي وخلال النصف الأوّل من شهر أوت من مناورات وتوافقات وتفاهمات ومقاسمات؟ ولماذا عادت عصا القمع الغليظة والهمجية وغازاتها السامة إلى الشوارع يوم 15 أوت واستهدفت أوّلا وأخيرا أولئك الشباب ومناصروهم الذين أصرّوا على أنّ الثورة لهم والشارع لهم وأن لا أحد من حقّه أن يمنعهم أن يفكّروا كما يريدون وأن يقولوا ما يريدون وأن يتجمّعوا حيث يريدون ؟
·       ولماذا أكثر الوزير الأوّل في الحكومة المؤقّتة من إيحاءاته وتلميحاته سيئة الأثر حول الانفلاتات بأنواعها، ومن اتّهاماته  لهذا وذاك دون تسمية ؛ ولماذا حرص على أن يبدو وكأنّه يصرّ على استثارة هذا وذاك : الإعلام والأمن وبعض الأحزاب والشباب وبعض الجهات ؟
·       ولماذا سكت عديدون : أحزابا ومنظمات وهيئات وجمعيات عن استشراء الفساد، وعن القوى الخفية التي تعمل من وراء الحجب، وعن قوى الردّة وقوى الظلام التي لا تنفك تهاجم وتعتدي ؟ ولماذا بدا أن لا شيء يهمّ من ما يزالون يسمون أنفسهم بالنخبة والقيادات سوى عدد الكراسي التي قد يحصلون عليها ؟ حتّى أنّهم لم يبدوا اهتماما، بدعم الحرّيات ولم يناصروا جهد المجتمع المدني المصرّ على الصمود والمقاومة، وبدوا كأنّ ما يستهلك جلّ وقتهم هو الحسابات الانتخابية وحدها ؟
·       ولماذا تهافت الغرب والشرق علينا بمستشاريهم وأموالهم وأذيالهم ؟  ولماذا بدا بعض من التونسيين وكأنهم ورثة قارون ؟ ولماذا نسي مناضلون قدامى أفكارهم ومقولاتهم وارتموا في أحضان المال لا يهمّهم لا كيف تجمّع ولا ما هواه ؟ ولماذا سكتوا عن المعتدين والمتوعّدين وشاحذي السكاكين المتَرصّدين ببناتنا وحرّيتنا ؟
·       ولماذا يوجد حرص بيّن على استبعاد الشباب والنساء ؟
·       ولماذا ؟ ...ولماذا؟... ولماذا؟...
 
هذه الأسئلة وغيرها بدأت تنخر قناعتي بالانتخابات...
ثم، اضطرارا، رافقت بنتي –بنيّة تونسية- إلى مهرجان الكتاب ب"موانس-سارتو" بجنوب فرنسا وسمعتها في حوار مع يوسف الصّديق وستيفان هيسال وغيرهما، ثمّ في حوار مع يوسف الصّديق وسارج مواتي وغيرهما تعبّر عن مخاوفها ويأسها من الانتخابات وتؤكّد أنّها لم تعد تنتظر منها شيئا ولذا فهي لن تشارك فيها... ورأيت كيف كان ردّ فعل عديد الفرنسيين على ما قالته لينا –رغم أنّه من البيّن أنهم يعشقونها كثيرا ويحترمون نضالها كثيرا- مستغربا ومستنكرا وغير فاهم  وكالمذهول : فهم في الغرب يقدّسون الانتخابات ويرون فيها واجبا وطنيا لا مناصّ من أدائه، ثمّ إنّه يخيّل إليهم أن أهمّ تجسيد لنجاح الثورة هو إجراء الانتخابات.
وحاورت لينا... ودافعت عن ضرورة المشاركة و"السير وراء السارق حتّى باب المسكن" على رأي يوسف الصّديق... وفكّرت في أنّ الحلّ قد يكون في الورقة البيضاء كما قالته لي فرنسية أصلها من رادس ودرّست بقرمبالية.
كما حزّ في نفسي أن لا أسير إلى مكتب الاقتراع يوم الاقتراع وباختياري..
لكنّ شعاعا انطلق إلى وعيي فجأة و من حيث لا أدري وجعلني أتساءل : بتشكيلة القائمات التي عرفتها جدراننا هذه الأيّام، وتحت وطأة الهيئات الرسمية المؤقّتة التي تناست من نصبها وتعملقت وتغوّلت على الشعب وعادته، وفي ظلّ تهافت الأحزاب والمنظمات على خيالات نفوذ، وفي مناخ فاسد بتواصل الفساد والتستّر على الفاسدين وبظهور فاسدين جدد وفساد جديد، ومع انعدام الشفافية وكثرة التحرّكات التي تجري وراء الحُجُب أو في الظلّ كما يقولون، هنا في تونس وخارج تونس، وحيث أن الصّحافة لا تزال مثقلة بالمعرقلات أو في يد حريصين على العود إلى ما قبل 14 جانفي، وحيث يسكت غالبية من لهم مصلحة في انتقال ديمقراطيّ حقيقي من رجال وأعمال ومستثمرين ومثقفين. وجامعيين  وطبقات وسطى وتقدميين، أو ينجرّون إلى وهم يتشبّثون به، هل يصحّ أن نعتقد أن انتخابات التأسيسي ستجرى في مناخ سلميّ وسليم، وأنّها انتخابات نزيهة وشفافة، وأنّها ليست ولن تكون مجرّد مسخرة أخرى بنفسجية الوقع وإن تلوّنت بألوان الطيف جميعا ؟ وهل يمكن أن ننتظر  من 23 أكتوبر أن يكون يوم ميلاد تونس جديدة ؟
وإذ كبر السؤال حتّى ملأني فإنّني أقول : من الأرجح أنّني لن أقترع ! أنا لن أنادي الناس إلى أن لا يقترعوا... ولكن من الأرجح أنّني شخصيا لن أقترع !
وإنّني لأرجو من أصدقائي، هنا وهنالك، أن يتفهّموا موقفي هذا، ويجدوا له الأعذار.
ثمّ أليس صحيحا أنّه من الأفضل دائما أن تظلّ قلّة تغرّد خارج السرب ؟!.
 
 
                                                                 الصادق بن مهني
                                                               11 أكتوبر 20011

12 oct. 2011

أوراء الأكمّة ما وراءها ؟

كتابٌ إلى ابنتي "البنية التّونسية".

عزيزتي لينا !
قد أكون صدمتك عندما عبّرت أمامك صراحة أنّني "أصلّي" كي لا تكون جائزة نوبل للسلام من نصيبك...
ولكنّك، بكل تأكيد، فهمت تمنّي، وقبلتِه، بل وتمنّيته مثلي !
وإنّني لسعيد الآن ومطمئنّ بل مرتاح ومبتهج... ذلك أنّ الأيّام الحمقاء التي عشناها منذ ساعة الإعلان عن اختيارك للجائزة قد أقنعتني أنّنا في خطر بل عرضة لأخطار : خطر أن تختطفك الموت قتلا أو رفسا أو إرهاقا، أو جرّاء تقاطر المتقاطرين –أجهزة إعلام وصحافة وأشباه صحافيين، وطمّاعين، وأذنابا وهمّجا-، وخطر اِنقطاعك عن الحياة الحقّة (وهي في عرفك بساطة، وتقدّمك الاحتجاجات، ووجودك حيث تريدين في شوارع التمرّد ومقاهيه، وفي حلبات الصّراع كالقصبة، وفي ميادين الشهادة كالرقاب والقصرين، وعلى منصّات الإعلام الصّعب والمحاورات العسيرة) وعنّا وافتكاكك من قبل المناسبات والتحرّكات والمنابر الرّسمية ؛ وخطر أن يتهافت عليك متهافتون أنت الهشّة الليّنة الزهرة السّمحة ؛ وخطر أن تسرقك منّا ومن تونسنا الدّعوات التي لا تنقطع ؛ وخطر أن أستفيق ذات صباح فأجدُك منهارة من الندم على قبول الجائزة.
عزيزتي لينا !
أشهد أنّني كنت سعيدا وأحسستك سعيدة لحظة الإعلان عن الفائزين بالجائزة، حتّى أنّنا حرصنا على إبلاغ الخبر إلى العلاّمة يوسف الصّديق، مرافقنا على نفس الطّائرة، وهدّأنا معا من روعه لمّا رأيناه ينفث أسفه... وأشهد أن رحلتنا كانت هادئة وجميلة... وقرّبت بيننا أكثر... وأعترف أنّني أحسستُني أستردّك !
عزيزتي لينا ! 
أنا سعيد وفخور بأن تمّ اختيارك للجائزة، وبأنّهم احتفظوا بك في السّباق )حتّى وهو في الواقع ليس سباقا) حتّى القرار الأخير... وأنا أسعدُ الآن وقد انضممت إلى غاندي والأخت تيريزا وستيفان هيسال وآخرين أمثالهم ممّن سُمّوا للجائزة ولم يُمنحُوها... وبداخلي إِحساسٌ بأنّنا محظوظون لأنّك لم تدخلي قائمة فيها بيريز والسادات وأوباما...

عزيزتي لينا ! 
 أناس عديدون فرحوا لك ومعك... وأناس عديدون حرصوا على أن يواسونا ولمّا وجدونا فرحين ولا نحتاج للمواساة بعضهم فهم وبعضهم لم يفهم... لكنّ جميعهم صادق، وهم أهلنا سواء كانوا من هنا أو من غير هنا... وأيّا كان الحال فإنّهم إنّما أكّدوا أن الإنسان واحد، أيّا كان لونه، وأيّا كان موطنه، وأيّا كان جنسه، وأيّا كان عمره، وأيّا كانت خياراته مادامت لا تسيء للآخرين...
وإنّه لجميل أن يكون الحال على هذه الحال !
عزيزتي لينا ! 
أدرك أن كاهلك قد أثقل الآن أكثر، فأنت بتسميتك لهذه الجائزة، وبمنحك جوائز أخرى : جائزة أفضل مُدوّنة لسنة 2011، والجائزة العالمية للصّحافة (التي أرجو أن تهديها للصحافيين وأشباه الصحافيين الذين حاربوك عضوة في الهيئة المستقلّة لإصلاح الإعلام والاتّصال فما كان منك إلاّ أن انسحبت منها قطعا لمهاتراتهم...) وجوائز أخرى من هنا وهنالك، قُلْتُ أنت بتلك التسمية وتلك الجوائز وما سيتلوها من جوائز وألقاب وتشريفات تأتيك وستأتيك وستخطب ودّك من هنا ومن هناك، قد أصبحت، وستصبحين أكثر، جَمَلَ مَحَامِلِ آلامنا وأحلامنا وآمالنا، والمُبَلِغَةَ عنّا في أنحاء الدّنيا وأصقاع الأرض، وحاملة لوائنا، والشاهدة علينا... كما أنّك لصفائك ونقاوتك وإخلاصك ستسعين أزيد لأن تكوني حيث يعسر على المرء أن يكون، ولأن تسبقينا جميعا إلى التشهير والفضح والتنديد، وستنوبيننا في المنابر ونمرّ بفعلك عبر الشِّبَاك والجدران والصّمت والحلكة...
وأدرك أنّ التقدير والاحترام والحبّ وعنف المشاعر الصّادقة التي رأيتك تحظين بها من رفيقات ورفاق دربك، ومن أهل الإعلام النّصوحين، ومن منظّمي مهرجان الكتاب بموانس-سارتو جنوب فرنسا، ومن الكتّاب والروائيين والمفكّرين ورجال المسرح ورافعي رايات حريّة التعبير وقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، قد وهبتك أنفاسا جديدة وصحّة جديدة، وفتحت الآفاق أمامك أكثر، ولم "تلعب برأسك" بل زادت في وعيك، وشحذت عزمك، وقوّت إرادتك...
ولأنّني أدرك كلّ ذلك فإنّني غير مشفق ولا قلق عليك... ولكنّني رغم ذلك سأدعو لك مثلما دعت لك فراد مانسون : "أن يكون قلبك كالفولاذ يا لينا !"


عزيزتي لينا ! 
كم كنت أحسّ وأنا في مهرجان الكتاب ب"موانس-سارتو" أنّني تونس كلّها وأنّ تونس فيّ وفيك وفي مراد بالشيخ الذي رافقنا وفي يوسف الصّديق الذي كان معنا مناضلا حقّا كلّ يوم بل كلّ ساعة، وفي ماهر عاشور صديقك الافتراضيّ الذي جاءك من باريس يسوق سيّارته كأنّها برق، وفي السيّد صمّود وزوجته اللذين جذلا بالوقوف إلى جانبك، وفي كلّ هؤلاء الفرنسيين الذين أصرّوا أن يعبّروا عن حبّهم لتونس وعن تقديرهم لشبابها، وبعضهم وُلد فيها أو عاش آباؤهم فيها، وبعضهم دَرّس فيها وعلّمنا..
وكم كنت فخورا أن أسمع جميع الحوارات والنقاشات تتحوّل إلى حديث في الربيع العربي وفي مستقبل تونس، وفي فعل شباب تونس !
وكم أسعدني أن تطلبي أن يعلّق علم كبير حملته في حقيبتك، علم تونس الحرّة على المنصّة فيطبع القاعة والحوار والانفعالات بلونيه !
وكم أسعدني أن أراك أنت الصّغيرة الهشّة الياسمينة الرقيقة الخجولة الوجلة كبيرة  إليها  كبار الكبار، ولبؤة متوثّبة تفتح أبواب المستقبل العتيّة فتشرعها، وتشدّ برفق أيادي عمالقة كيوسف الصّديق وستيفان هيسال وسارج مواتي فتسحبهم إلى مواقعها وتثنيهم عن قناعاتهم لينضمّوا إلى قناعتها هي أو يقربوا منها...
عزيزتي لينا ! 
كم أنا أحبّك ! حتّى وأنا توجعني خطاياك أحبّك !
فلتكونـي كما تكونين، ولتظلّي أنـت أنـت... أمّا أنا فلا أملك إلاّ أن أحبّك كلّ يوم أكثر ! وإلاّ أن أناضل كلّ يوم وليلة ودائما كي لا يخونني جزعي عليك فأزعجك أو لا أدفعك حين يلزم الدّفع !
عزيزتي لينا ! 
طاب مشوارك، وعلا شأنك، واِشتدي عزما ومضاء، وهاتي انتصارات جديدة !
ولتهنئي بما قلت وبما فعلت وبما فتحت !
ولتتأكدي أنّ نجوما كثيرة تحميك وترعاك وتحرسك.                                                                                              الصادق بن مهني
                                                               12 أكتوبر 20011

11 oct. 2011

أيا بنات بلدي تحيّة !

كنت قد خرجت للتوّ من سجون بلدي إلى بلدي... ولاقيتهنّ : لاقيت بنات الطّاهر الحدّاد يقفن ضدّ العسف، يرمقن المستحيل يرونه قدرا متاحا، يكتبن، يتحاورن، ينازعن في رفق، يصددن في تنمّر... وفيهنّ وجدت كثيرا ممّا يجسّد كثيرا من الأفكار التي اكتسبتها في السّجن قراءةً، ونقاشا مع بعض رفاقي، وتعمّقا في أحوال الدّنيا وغوصا في ذاتي ومسيرتي...
وقبل ذلك وأنا أخاتل الجلاّدين وقمع بورقيبة وبلخوجة وأتخفّى لأكتب وأنظّم وأستمرّ مع من لم تلتقفهم الشبكة لكي يستمرّ الصّمود، عايشتها شقراء تربّت في غزّ، تتكلّم الفرنسية وتخشى سهام عائلتها أكثر ممّا تخشى عيون البوليسوتحتى لأشهر حرّيتها كاملة وهي لا تخرج من غرفة محاصرة...
وقبلاً كانت... وكانت...وكانت...وكنّ :
-         كانت جدّتي للأمّ... أمّي تومانه... سعت جهدها لأن نتعلّم "الشلحة" (لغة الأمازيغ) لأنّها لم تكن تقبل أن لا يتقن أحفادها "لغة النبيّ محمد" ؛ هكذا كانت تقول. وفي تصرّفها اليوميّ عايشنا أنفة المرأة، وعطاء المرأة، وتحدّي المرأة... أكلنا من مرقها الطيّب وبهرنا جمالها، ومازلنا إلى الآن نعجب من قدرتها على التحمّل : فهي قد أتقنت أعمالا لا تعدّ : بنت، ودهنت، وحرثت، وقلّمت الشجر، وجرّت الأحمال على ظهر بهيمها، وزرعت، وحصدت، وربّت، ورافقت المطلّقة واليتيم، والطبّبت و... و... و... وهي لسخائها كانت تُحْسَبُ جِنيّةَ خيْرِ أو وليّة صالحة... ومن سخائها أن ألبستها بناتها قسرا قميصا جديدا لتذهب إلى مناسبة فعادت دونه وصامتة إلاّ أن من بسمى ظفر ودهاء لذيذ... وبعد لأي علمنا أنّها إنّما وهبت القميص لأوّل شابة لاقتها : تستّرت هي وإيّاها في حضن زيتونة معمّرة وأصرّت على أنّ القميص للشابة أنسب !
-         وكانت أمّي، وهي ما تزال، تحضنني وتوعّيني وتوجّهني... غالبت عسر الزّمن وكافحت حتّى لا تقهرنا المسغبة وقلّة ذات اليد... وعلّمتني القراءة وإعداد دروسي، وكيف أكتب نصّا جميلا وهي لا تفكّ الحرف حتّى اللحظة...
-         وكانت سعاد... رفيقة الصبا ومطلع الشباب التي تعلّمت منها التواضع والبساطة والتي حفّزتني في صمت باسم لأن أسعى أكثر وأكثر وراء المعرفة بأن كانت أوسع منّي معرفة...
-         وكانت أخواتي، ولا يزلن، بطلات تحمّلن في عزّة نفس وعطاء لا يحدّ، وصبرن على الضّيم، وعلى قهر تفضيل الذّكر، وكابدن لنحيى، وصمدن في وجه انقلاب المنقلبين وحقارة الوضعاء...
وبعدها كانت... وكانت... وكنّ ولا يزلن : أذكر بعضهُنّ أمثلة وأنا أدري أنّني لن أفيَ بحقّ الغالبية :
-         كانت، وما تزال لعمر أتمنّاه طويلا ومع صحّة سليمة، هذه التي أهدتني شمسين... وعلّمتني الخطو في زمن كان يصعب عليّ فيه أن أحسن الخطو... وصبرت على حماقاتي وعلى نقائصي، وكابدت معي وحمت قناعاتي... هذه التي عاشت طفلة ككلّ بنات جيلها ضيق الأفق ومخاطر تطليق المدرسة بفعل مبكّر الزّواج... وأذكر أنّها روت لي ذات مرّة ونحن نغرق في رمل طريق كيف كانت صديقتها تسلك ذاك الطريق كلّ عشية أحد مشيا حتّى تصلها فتركب معها "الجردينة" التي كان والدها يحملها عليها حتّى المعهد الثانوي... ثمّ أصرّت على أن تسأل عن صديقتها فاكتشفنا أنّها سافرت من رملها إلى صواريخ "آريان"...
-         وكانت قريبات وزميلات وصديقات ورفيقات درب، ولا يزلن، علّمني، وساعدنني ودافعن عنّي عندما عزّ الزميل الصدوق، والصديق الحقّ، والرفيق المنصف...
-         وكانت نساء من بلدي ومن بلدان أخرى، أثبتن لي، دون كلام، أنّ النساء هنّ فعلا مستقبل الإنسان، وأنّ الرجال ليسوا شيئا إذا ما استعبدوا المرأة، وأنّ في معاناة النساء خسارة الرجال قبل خسارة النساء...
-         وكانت ولا تزال صديقة، قصرها كقصر لينا، ومضاءها كمضاء لينا، وجدتها عندما لم أجد أحدا، وهدتني عندما عسر الهدي... وفدتني كثيرا...
-         وكانت، وما تزال، شمس أيّامي ومحرّكة هواجسي، التي تغضبني وتفرحني، توجعني دائما وبلسمي، التي تحدّتني وهي تتحدّى معوقات القدر، وبإصرارها قادتني إلى ذكرياتي، وحرّكت ما رسب فيّ، وصفّت غديري، ودفعتني إلى شبابي، ومع أضرابها صنعت حرّيتي، حرّيتنا، وفتحت أمامي سماوات لم أكن حتّى لأحلم بمجرّد الحلم بها... وعلمتني –في صمت- كيف تُجْتَرَحُ المواطنة حقّا يفتك وواجبا ملزما...
-         وكانت، وما تزال، هناءُ أراها تدرك في لحمها يعرّيه الغوغاء ودمها يَعْتَزِمُ سفكَه هؤلاء الذين حُلُوا ولم ينحلّوا، كلاب دم المنهار، يودّون إسناد نظامه ليبقى ولو معوقا،... أراها جمل محامل دربه شوك ولا ينخذل...
وأنا إذا أكتبُ ما كتبتُ فإنّما لأقول : أنا ابن أمّي وجدّاتي وأخ أخواتي وخالاتي وعمّاتي، وأبُ بنتي التي قهرت حتّى ما لا يقهر، وصديق صديقاتي ورفيق رفيقاتي وحبيب حبيباتي وقريب قريباتي ... ولولاهنّ، ولولا نساء العالم كلّهن، لما كنتُ إنسانا يتوق ويجنّح ويثور ويتحدّى  ويتصدّى ويرغب ويحلم و"يشيخ" (بالمعنى التّونسي) ويهوى ويعشق ويبحر...
أنا رضيع ضعيف وُلِدَ وهنًا فأنقذته نساء... وأنا غرّ عنود درّبته نساء... وأنا ضعيف خوّاف قوّته نساء... وأنا عربيد قوّمته نساء... وأنا تائه مهّدت لي الدّرب نساء...
وأنا أدرك أنّه لولا النساء لما كنت، لما كنّا، ولما كان الإنسان...
من النساء جئنا، وبالنساء بقينا، ومن دفقهنّ وحضنهنّ طرنا وطرن باتجاه الآفاق الرحبة...
ولولا النساء ما كنّا رجالا، ما كنّا...
ولأنّ النساء، هنّ كلّ ذلك ولأنّهن علّمنني الإخلاص والمكابدة وطول النفس ورفض الهوان والوقوف أمام العسف فإنّني لن أكفّ، أقسم : لن أكفّ أدفع عن نساء بلدي الباغين والحقودين والجهلة والأدعياء والناطقين باسم الربّ والمتجبّرين والرافضين لدوران الأرض  وجريان الكواكب والمجرّات والزّمن والمنشّدين إلى سلف قضوا وانقضى زمنهم...
 
 
                                                               الصّادق بن مهني
                                                                6 أكتوبر 2011
 

المتستّرون بالدّين... وأنا

لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين ولا في مجادلتهم. فأنا أؤمن بأنّهم غير قابلين للنّقاش أصلا... وحتّى من ناقشوا فإنّما هم يناورون... ذلك أنّ الربّ لا يُناقِش ولا يُناقَش... وفي روعهم أنّهم وكلاء الربّ... ينطقون باسمه... ويتصرّفون نيابة عنه... وينصّبون ذواتهم البهيّة حُماةً له... ويتعسّفون ويعتدون باسمه...
ولي مع مناضلي الحركات السياسيّة المتستّرة بالدّين حكايات وحكايات... وأنا إذ أصفهم بالمناضلين فإنّما أستعمل اللّفظ في معناه الأوّل، فهم ـ حقيقة ـ يناضلون من أجل إشغال موقع ومن أجل إخلاء كلّ المواقع من الآخرين غيرهم... بل إنّهم يرون أنفسهم أصفى مناضلين وأجملهم وأحقّهم بـ...الجنّة، وجنّات ما قبل الجنّة!
ومن حكاياتي مع هؤلاء أنّ أحدهم ـ وهو قريب وصاحب وجار ولم يعد اليوم منهم (أي من الـ«هؤلاء») ـ لازمني أيّاما وهو يتخفّى فيما كنت أنا غادرت الحبس للتوّ... شاورني صادقا ونصحته صادقا، وتبادلنا الرأي في كلّ شيء إلاّ العقيدة والخيارات... وتابع والدي حينها هذه العلاقة باستغراب وحيطة... وذات يوم قال لي في شبه تأنيب: «من منكما يناور ليسحب الآخر إلى مواقعه؟ لا أريدك مهزوما يا ولدي... اِحذر فإنّ كيد هؤلاء لعظيم!»... ولمّا أُوقف صاحبي سمح أحد الجيران لنفسه (وهو الذي لم يفعل فعل نضال ـ بأيّ اتّجاه وبأيّ معنى ـ في حياته اللهمّ بيع الدّجاج) بأن ينطق وهو متأكّد من الأمان، بما يوحي بأنّ الدّولة كافرة لأنّها تعتقل جند اللّه وتطلق سراح الكفّار الذين لا يستأهلون إلاّ الإعدام...  ولمّا بادرتُ إلى والد صاحبي أفهمه ما يلزم أن يعمله لابنه للتخفيف عنه طردني أو كاد (أصبح صاحبا لي فيما بعد!)... أمّا الدّاعي إلى شنقي فلقد تسلّل هاربا من حيث كنّا لمجرّد أن فهم أنّني كنت، وكافر آخر مثلي، نحرّر عريضة صدّرناها بالبسملة وجرّدناها من أيّ تعبير سياسيّ ولم نحتجّ فيها إلاّ على حصول الايقاف في حرم الجامع...
ومن حكاياتي معهم أيضا أنّ بعض زملاء انضمّوا إليهم في تلك السّنوات التي اغترّوا فيها وعربدوا، وصموني هم بالكفر وضايقوني بألف شكل مكشوف وغير مكشوف، بل وأوحوا إليّ يخوّفونني حتّى بأنّ إسمي على قائمة أعداء اللّه الذين تصحّ تصفيتهم... ولمّا تعرّضت  حركة هؤلاء إلى السّياط ومعاول الهدم حميت حقوق زميل موقوف فشاغبني الزملاء الذين هدّدوني، وفضحوني لدى الإدارة... ولمّا حرصت على أن يتمّ ـ عند معاملة الموظّفين ـ الفصل بين صفتهم المهنيّة وبين معتقداتهم وخياراتهم، كان أوّل من تصدّى لي رهط من مناضلي اتّجاهات سياسيّة تدّعي تمثيل اللّه والدّين...
بعدها أعجبني وأغراني أكثر بالتعايش وحتّى بالتعاون أن استقبلت صاحبي في داري وهو يخرج للتوّ من محبسه والعسس يسيرون من ورائه غير متخفّين وكدت أغترّ وأوقن أنّ الحوار ممكن!
بعد ذلك وفي الزّمن الذي اكتوى فيه أولاء بالميز والعزل والكيد من كلّ جهة وجانب، قمت بما رأيته واجبا ومتاحا (ولن أعدّده هنا)... وتصدّيت مدافعا عن التراث الإسلامي والمعالم الدينيّة المهدّدة حتّى شرّفتني شهادة أفخر بها، شهادة الشيخ الصّادق بن مرزوق الذي أفحمني وهو يشكرني علىاستماتتي في الدّفاع عن جوامع جربة في زمن كان مجرّد الكلام فيه عن الجوامع مدعاة للظنّ، بل للتنكيل.
وفي الأثناء عايشت، من قريب، علاقة الحوار والتشاور التي جمعت بين السيّد راشد الغنوشي وبين المناضل الكبير الذي فقدناه أخي نورالدين بن خضر...
وقبلها ـ وأنا أُنقل من سجن إلى سجن ـ اطّلعت قليلا عمّا فعله دعاة ـ كنت، تلميذا، خبرتُ ضيق صدر أحدهم وظلمة أفقه ـ بإخوتي الصّغار الملتاعين حتّى كادوا يجنّدونهم فيسخّرونهم...
ولأنّ لي صلة بالحضارة الإسلاميّة، وبالتّاريخ عموما، ولأنّ لي صلة بالكتاب وثيقة وبالنّشر أيضا، فإنّني عرفت مثلا كيف سيطر الشّيعة على إفريقيّة وكيف اندثروا منها، وكيف اكتسح المذهب المالكي السّاحة، وكيف قُتل الإباضيون وما زالوا يُحاصرون ويُضايَقون رغم أنّهم أصبحوا قلّة قليلة.
أمّا مع انطلاق الثّورة وهروب الجبان، فلقد رأيت المتستّرين بالدّين أين كانوا خلال الأيّآم العصيبة، وفي المظاهرات والاعتصامات، ومواقفهم وتقلّباتها... ثمّ عايشت زحف اللّحى والهركات (ج. هُركة) والخيام السوداء، والصّلاة على قاذورات الشّارع الكبير...
ثمّ أتيحت لي فرصة معارضة اعتداءات البعض منهم على المنادين بالعلمانيّة وبتونس لجميع بناتها وأبنائها، وللمناديات بالمساواة، وبحقّ أمّي في أن تعادلني قيمة وشأنا وحقوقا...
ثمّ كنت بمحض الصّدفة عرضة لاعتداء ذهب بنظري دقائق طويلة حتّى أنّه أفهمني ما لم أكن فهمته من طه حسين، اعتداء ارتكبه بعضهم أو منتسبون ارتكبه بعض منهم، أو منتسبون إليهم، أو متستّرون بلحاهم وشعاراتهم وبعض أشكال ممارساتهم...
وقبل ذلك حدّثني أصدقاء ثقات عن ممارسات فظيعة تعرّضوا لها من قبلهم وهم في الجامعة، في زمن فتح فيه مزالي الباب عريضا أمام كلّ الرعوانيين والعتاة... ورغم ذلك وكثير مثله لم أذكره، ورغم قراءاتي، ورغم ما عرفته من شأن ذي صلة على المستوى الدّولي فإنّني ظللت أعتقد أنّه لكلّ الاتّجاهات السياسيّة الحقّ في الوجود والتواجد والنّضال من أجل خياراتها حتّى وإن تستّرت بالدّين وادّعت العصمة... ولم أكن أرى إلاّ النّضال ومقارعة انعدام الحجّة بالحجّة، سدّا منيعا من سيلهم الجارف... ولم أتبيّن شرطا يمكن أن يقبل به حدّا لأنشطتهم سوى شرط نبذ العنف...
إذن، لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين حتّى ضيّقتْ عليّ أنفاسي ممارساتُهم ودعاويهم، ورأيتهم يتهافتون على بلدنا يتهيّؤون لنهشها، لا يردعهم شرط نبذ العنف، ولا عهد وفاق، ولا توصيات «أردوغان» ولا نصائح أمريكا... وأقصد ما أقول ولا أتردّد.
ولي عن ذلك شواهد:
فمنذ أن بدأت تنهار أدوات السلطة البائدة واطمأنّ بعض النّاس إلى انعدام الرّدع شرع بعض المتستّرين بالدّين في:
ـ احتلال جوامع ومساجد قسرا، وانطلق الأمر ـ في ما أعلمه ـ من جربة، ونصّب نكراتٌ أنفسهم أئمّة ودعاة ومتصرّفين،
ـ وتشويه، أو حتّى هدم، معالم أو أجزاء من معالم دينيّة وحضاريّة وثقافيّة أغلبها عتيق. حدث هذا في جربة، وشُرع فيه بتطاوين، ولكنّه حدث أيضا بأماكن أخرى كمرناق، وسُعي إليه في الكاف،
ـ إظهار غطرستهم بتعمّد الصّلاة في شوارع ليست بعيدة عن مساجد مثلما حدث في الشّارع الكبير بالعاصمة وفي القصبة، وأمام المطار،
ـ وتكاثرت المحجّبات والمنقّبات والمتنقّلات تحت خيام، والملتحون وأصحاب السراويل القصيرة، ولابسو الجلابيب، وتوزّعوا في الأحياء والأنهج يظهرون صلفهم، ويرفعون أصواتهم بما يتعدّى على حرّيات النّاس،
ـ وتسرّبت إلى وسائل الإعلام مواضيع كنّا نخال أنّها لم تعد من اهتمامات شعبنا ولا من مشاغله كموضوع تعدّد الزّوجات، ودراسة الفتاة، وعمل المرأة، واللّباس الشرعي، بل وتمّ إحصاء حتّى عدد من الاعتداءات على الحرّيات الفرديّة.
وفيما نادى مناديهم يندّد ـ ادّعاءً ـ بسعي العلمانيين واللّائكيين إلى الانحراف بالثّورة عن مساره، وإثارة مواضيع هامشيّة، وينعت هؤلاء بأبشع النّعوت ويلصق بهم تهم الولاء للغرب وللأجنبيّ وللشيطان، توزّع هؤلاء أو بعضهم (عن وعي أو بغير وعي وبتحريك أو من تلقاء أنفسهم، هم وحدهم وكلّهم أم طوائف منهم بتحريض مندسّين، الأمر سواسية طالما أنّهم لم يعبّروا عن رفضهم الصّريح لكلّ ذلك!) يمارسون سياساتهم في «بيوت اللّّه»، وعلى شبكة الانترنت التي احتلّها بعض المنتسبين إليهم يكيلون أبشع الاتّهامات وأقبح الصّفات لكلّ من ليس منهم أو مثلهم، ولكلّ من تمسّك بإنسانيته ومواطتته ورفض أن يستكين لهواهم.
بين هذا وذاك تعمّد قوّادهم تعميم الخلط، فتعمّدوا ازدواجيّة ـ بل تعدّد ـ الخطاب: خطاب للاجتماعات العامّة، وخطاب للجوامع، وخطاب للمناسبات الخاصّة، وخطاب لهذا الصّنف من وسائل الإعلام وغيره للأصناف الأخرى...
وهنا أودّ أن أحكي حدثا عشته شخصيّا:
إثر الاعتداء الذي تعرّضت له أمام قاعة عامّة للسّينما دعتني قناة «الجزيرة» (والدّعاية هنا مجانية صرف!) لمناقشة الموضوع. وجرى الحوار لكن بصفة غير مباشرة وكان واحد من قيادات «حركة النهضة» معي على نفس الركح. ولاحظت أنّه تبرّأ من لجوء حركته إلى العنف ولم يتبنّ الأفعال التي حدثت. بل ووقع بينه وبين رئيس حزب  التحرير المحظور الذي كان هو أيضا طرفا في النّقاش ـ لكن من مكان آخر غير مكاننا ـ جدال وحتّى تنافر وخلاف حين دعا هو إلى التحكّم في القواعد والأعضاء والسيطرة على النّفس للامتناع حتّى عن ردّ الفعل ونادى بعدم اللّجوء إلى العنف، فردّ عليه صاحبه بأنّه غير مستعدّ لقبول دروسه وذكّره بتاريخ الحركة في الشأن.
هذا القياديّ لم يكلّف نفسه حتّى عناء (إذ يظهر أنّ تمنّي الخير لرهط مثلي عناء في نظر هؤلاء!) أن يهنّئني على السلامة ويتمنّى لي أن لا تكون للاعتداء آثار لاحقة على بصري... بل إنّه ـ أكثر من ذلك ـ خَلَطَ بين المعتدي وبين الضحيّة وحمّلنا جميعا المسؤوليّة بالقدر ذاته...
ولأنّني أحرص على أن أقرأ الخير في النّاس، فلقد ناقشته الأمر ونحن نغادر. وشجّني على ذلك أنّني لاحظت أنّ ذويه ـ وخصوصا زوجته ـ الذين كانوا في انتظاره عصريو الهندام والتصرّف. فأقرّ بأنّه كان عليه أن «يستلطف» لي وأن يندّد بالاعتداء بكلّ وضوح وجلاء وأن لا يظهر وكأنّه يبرّره بالتشديد على أنّه كان ردّة فعل، طالما أنّه كان فعلا عنيفا لم يُردّ على فعل عنيف.. واستبشرت لمّا وعدني ـ دون أن أكون قد ألححت عليه في ذلك ـ أنّه سيسعى إلى تبديد عتمة موقفه بل وحتّى للاعتذار لي حين تتاح الفرصة...
وطبعا ما زلت أنتظر ذلك منه!
وأودّ كذلك أن أشير إلى ما تعيشه ابنتي لينا المدوّنة الشهيرة باسم «بنيّة تونسيّة» من اعتداءات منهجيّة ويوميّة ومن قذف فاحش لمجرّد تعبيرها عن عدم اتّفاقها مع منهج الاسلامويين...
ويعرف متابعو المدوّنات وصفحات الفايسبوك أنّ القذف والوعيد وحتّى التهديد بالويل والثبور والقتل قد تعدّى شخصها إلى عائلتها وأصدقائها وصديقاتها.
بعد هذا ألاحظ أنّ لا أحد من معتنقي السياسة المتستّرة بالدّين ـ حسب ما يتيحه لي اطّلاعي ـ قد بادر إلى التعبير بصورة واضحة وبيّنة ولا تقبل التأويل عن مناهضته المطلقة للعنف راهنا ولاحقا، وعن دفاعه عن حقوق الآخرين، كلّ الآخرين في أن يكونوا كما أرادوا وكما يشاؤون طالما أنّهم ملتزمون بحقّ الجميع في مواطنة حقّة وحرّيات كاملة، وعن تشبّثه بالقوانين والمعاهدات الدوليّة والوطنيّة المتعلّقة بحقوق الإنسان الآن ومستقبلا كما تشبّثوا بها واستندوا إليها لمّا كانوا مقموعين ولمّا لجؤوا إلى ديار الغربة، بل ديار الغرب، فاستظلّوا بها وغنموا منها علما ومالا وصيتا، وتكوّنوا في معاهدها ولدى منظّماتها المختصّة.
ولا أحد من هؤلاء تصدّى ليفسّر لنا مصادر هذه الأموال الطوفانيّة وليرفض التصرّفات الدعائيّة الفجّة التي تحقّر مواطنينا ومنها توزيع الهدايا وأدوية علاج جميع الذّنوب والهموم والآلام والأحزان، وتسخير الحافلات لتضخيم الاجتماعات، ولا أحد من هؤلاء أكّد للنّاس صادقا ومخلصا أنّ لا تناقض فعليّا بين ما يدعون إليه حقيقة وسيمارسونه فعلا قادما وبين ما يدّعونه.
وإريد أن أقول هنا أنّ التغيّر الذي حصل أخيرا في نهج الحركة من حيث خطابها الرسميّ، وبرنامجها الانتخابيّ، وهندام أعضائها ومناصريها لا يطمئنني لأنّه جاء مفاجئا وغير مفسّر أو مبرّر، وكأنّه نتاج تدخّل مكتب غربيّ مختصّ في العلاقات العامّة ليس إلاّ.
ولأنّني كتبت، وأطلت فإنّني سأقول أيضا ما يلي: شعبنا برجاله وبنسائه بدأ ثورة، وشبابنا وشاباتنا تكبّدوا تضحيات جساما من أجل الكرامة والحريّة والمساواة، والحقّ في تنمية عادلة... فإمّا أن نصغي إليهم وإليهن ونفهمهم ونفهمهن ونساعدهم ونساعدهن، وإمّا أن نغالطهم ونغالطهن... وفي الحالة الأخيرة لاشكّ أنّهم وأنّهن لن يتردّدوا ولن يتردّدن في التمرّد سريعا علينا كما تمرّدوا وتمرّدن على العهد البائد والنهّابين، ولقّنونا ولقّنّنا درسا في الشجاعة والحكمة والإبداع والتشبّث بتحقيق المبتغى هنا والآن.

16 سبتمبر 2011