27 janv. 2015

LES FLICS VOUS TAPENT DONC VOUS ETES BIEN CITOYENS

A LINA ! Je ne sais pas qui parmi nous deux a commencé le premier à se définir comme étant " un citoyen en devenir " ,cherchant à recouvrer ses droits et à remplir ses devoirs en tant que tel . Et quand on a été agressés par les flics (censés te protéger) à Jerba : toi d'abord puis nous à ta suie,,sans aucune raison palpable , j'ai commencé à me dire que je suis déjà trop vieux pour m'attendre encore à sortir un jour de mon état de "citoyen en devenir" et d'être un citoyen tout court; Puis advint la gifle administrée par un flic à un avocat à Sousse et sa "superbe" excuse :je n'ai pas réalisé qu'il s'agissait d'un avocat ,j'ai cru qu'il s'agissait d'un citoyen" pour me rendre mon optimisme et m'ouvrir les yeux sur une douce réalité; JE SUIS DEJA CITOYEN ! Oui évidemment ,oullahi!, je suis déjà citoyen,Et d'ailleurs depuis un bail déjà ,depuis qu'on m'a vaillamment accueilli à une certaine DST. Ce n'était pas évident pour moi d'accepter ce "cogito" mais mon dos et mes articulations n'ont pas cessé de m'en convaincre ces derniers jours et j'ai fini par me soulever contre mon lit de malade pour t'écrire ce mot et te féliciter de notre nouveau statut qu'on croyait si loin alors qu'il nous était déjà acquis; Tunisiennes et tunisiens! Chaque fois où vous êtes tabassés ,malmenés,giflés,voire même torturés,chaque fois où un flic vous colle une amende pour une faute que vous n'avez pas commise,chaque fois où vous inhalez du gaz importé par les gouvernements "de la révolution" à grand frais ou généreusement offert par des pays amis ne vous départagez pas de votre "fair-play" et soyez reconnaissant; LES FLICS VOUS TAPENT DONC VOUS ETES BIEN CITOYENS 

Sadok Ben Mhenni 



(Photo de Adel Mhadhebi)

إلى السيّد القاضي لطفي بن جدّو وزيرا للدّاخلية

ني لا أستنكف أن أزعجك و أنت تعيش وقتا تحتاجه كلّه لتحزم حقائبك وتلمّ أوراقك و أسرارك و إخفاقاتك و تمسح آثار بصماتك و تنصرف مطمئنّا واثق الخطوات وإن إلى حين ،ذلك أنّني انتظرت منك طويلا أن تتفضّل بالردّ على صرخة وجع وجّهتها إليك علنا ،وإن عبر ناطقك الرّسميّ المشهور بعشقه للظّهور ، فلم تتفضّل , و لأنّي حرت بين القول بأنّك لم تفهم و لم تدرك وبين الاعتقاد بأنّك لم تنتبه أو تغاضيت وبين التخمين بأنّك قد تهاونت أو غلبت على أمرك فلم تستطع سوى الصّمت فهذا أمر غير مستغرب منك بل عهدناه فيك و أنت تتعامل مع ملفّات نحسبها أساسية من  مثل ملفّات الشّهداء جميعهم وملفّات اعتداءات الأمن بأنواعها و ملفّات الميليشيات, بل و حتّى ملفّ الاعتداء على حمى عائلتك ,
لذلك و لأنني أراك ظالما للنّاس و أيضا لنفسك و لأنني لا أحبّ أن أخاطبك وأنت بعد قد خرجت من عرينك لم أستنكف من أن أشوّش عليك بعضا من لحظاتك الأخيرة في منصب لن يدوم لوربثك مثلما لم يدم لك و لا لمن سبقوك إليه,

لكنّني على أيّ حال لن أطيل فأنا لم أعد أنتظر منك شيئا لم تفعله و أنت قادر فكيف لك به و أنت تغادر؟

أريد أن أذكّرك فقط أن لا ابنتي لينا بن مهنّي و لا أنا و لا أحد من عائلتنا طلبنا منكم حماية الأولى
بل إنّكم أنتم من فرضتم حمايتكم بعد أن أكّدتم بواسطة مبعوثيكم أنّ حياتها في خطر شديد و أنّ حمايتها ليست موضوع خيار
ثمّ إنّكم مضيتم فأكّدتم شخصيا حقيقة التهديد على العلن و زدتم إلى المستهدفة مستهدفا فاتّصلت بمصالحكم حينها لأبلغكم أنّ في تصريحكم العلني تهديدا انضاف إلى التهديد و أنّه كان من المنتظر منكم أن لا تعمّموا الأسماء إذ لا مصلحة في تعميمها بلتحريضا وإن غير واع

و أريد أن أذكركم أيضا أن بنتي كانت منذ أن قرّرتم ذلك أمانة في عنقكم و أعناق من كلّفتموهم بحمايتها 
و اعتبارا لما سلف فهي قد كانت أمانة في عنقكم و أعناق مصالحكم لمّا استجابت لدعوتي للتحوّل إلى جربة نهاية الأسبوع الأخير من شهر أوت الماضي بعلم مصالحكم و موافقتها  و يصحبها مرافق لم يفارقها لحظة إلاّ حين أخذها إلى منطقة الشّرطة بدعوى التنسيق مع زملائه فتركها في ذمّة زملائه المكلّفين بالحراسة و دخل المقرّ, علما أنه لم تكن للينا مصلحة في أن تتحوّل إلى المنطقة و أنّ وقتها في جربة كان ضيّقا كما أنّه لم تكن لمرافقها حاجة فعلية للذّهاب هنالك فهو كان على الدّوام على الاتّصال بالمنطقة التي وضع جميع تحرّكاتنا في بالها مسبقا و دون أيّ استثناء  ، تأكّدنا من ذلك أكثر من مرّة من مكالمات المرافق و من إصراره على أن نعلنه بمساراتنا مسبقا و كذلك من تصرفات الدوريات التي كانت تتعرّف ىليا على سيّارتنا وكثير منا يجاملنا و يحيّينا،


و بالتّالي فإنّ  مسؤولية الاعتداء الذي حصل على لينا بالمنطقة هي مسؤوليتكم  و كان عليكم أو على مصالحكم قبلكم أن تتحمّلها دون مراوغة و لا تفصّ و لا تبرير و لا ادّعاء فلينا كانت تحت أنظاركم و في حمايتكم و"يرعاها" عون ثابت يتبعكم و جميع أعوانكم بجربة ( و غيرهم كافّة)  و ذهابها إلى "عرينكم" لم يكن خيارها

و لو نظرتم إلى الموضوع بجدّية و تمعّن لتساءلتم بكلّ تأكيد مثلي هل أخذ المرافق لينا إلى المنطقة استجابة أو عن غفلة أو لأنّه تواطأ و هل تركها وحدها عن تقصير أو بإرادة ما أو غرّر به و من كان له مصلحة أو بحث عن فائدة أو خيّل له أن في وسعه تحقيق هدف ما من كلّ ما حصل؟

بعد ذلك هل يمكن حقيقة أن تمثّل لينا تهديدا لمنطقة أمن كاملة بأعوانها و بمسؤوليها حتّى يعتدى عليها كما حصل و حتّى يبلغ الأمر برئيس مصلحة الشرطة العدلية حدّ تنفيذ وعيده فيطلب من النيابة العمومية أن يحتفظ بها ؟

و لو انتبهتم إلى أنّ في الأمر تمرّدا عليكم و على مصالحكم لانتبهتم أنّ الاعتداء ( وهو اعتداءات) حصل يوم سبت و ليلا و بحضور كمّ غير عادي من المعتدين وفي حماكم وفي ناحية لايرتادها حتى المارة في مثل تلك الساعة إلاّ نادرا و بالسيارات


و لو شئتم أن تتأمّلوا في الأمر بما يستأهله  وبربط العلاقة المحتملة بينه وبين وقائع أخرى لتساءلتم لماذا تواصلت الاعتداءات إثر ذلك لحوالي ساعة أخرى بل أزيد فطالتني ومن معي ثمّ طالت من بعدي أمّ لينا و من رافقها رغم أننا لم نفعل سوى أن نقدم إلى المنطقة لإنهاء الموضوع و خلنا أننا سندخلها آمنين فرئيس المنطقة كان ينتظرنا وكان قد أمسك بعد بالموضوع ( أو خيّل إليه ذلك ) بل إنني كنت قد اطمأننت بعد على الوضع حتى من خلال اتصالات أجريتها مع تونس
أقصد هنا أنّ الكمين الذي نصب لي ومن صاحبني  ثمّ الاعتداء الذي حصل لزوجتي(و هما اعتداءان حصلا بفارق زمني هام بينهما و بعد وقت هام من الاعتداء على لينا بل ومن السيطرة غليه من قبل السيد رئيس المنطقة و من تدخّل الأطراف التي تدخلت و منها من يتبعكم ) يشتمّ منه القصد و الاعداد المسبق و الإصرار وربّما أيضا الاطمئنان إلى الإفلات من العقاب و الاعتقاد في توفّر حماية استثنائية

ولو أردتم مواجهة الموضوع بما يستحقّه من عناية لأهميته وفظاعته و تعدّد أبعاده و لخطورته  ولما حملته من تعدّيات على الناس وعلى الأمن العام و من تمرّد عليكم شخصيا و على مصالحكم وعلى الأوامر و إلزامية الامتثال لها وعلى حرمة مقرات من المفترض أن يقصدها الناس آمنين خاصة متى كانوا تحت رقابتها أو منتظرين فيها

نعم أنا أعلم أنكم أذنتم بتحقيق و أنكم أذنتم بإحالة الموضوع إلى النيابة التي كنا أصررنا على إحاطتها علما بالموضوع ولمّا تباطأت مصالحكم المختصة في القيام بذلك تولينا إبلاغها مباشرة  و إننا لنشكر لكم ما أذنتم به و إن هو لم يتعدّ مستوى الواجب الأدنى

نعم سننتظر ما ستفعله العدالة ولن نكف عن المطالبة بحقنا في الإنصاف و في اعتذار رسميّ صريح ففي ما حصل خطورة كان يمكن أن تتسبّب في موت لينا ( ويساورني شكّ حقيقي في أنّ ذلك كان يمثل غاية الاعتداء و أنا متأكد على أيّ حال أن  إمكانية موتها لم تكن غائبة عن أذهان من اعتدوا عليها ، اقرؤوا بيان نقابتهم و سترون مثلما أرى)

نعم إنني أرى في الوقائع و في التحقيق الذي حصل من قبل مصالحكم و في السعي الذي حصل لطيّ الصفحة و في الاعتذارات التي قدّمت لنا وفي انقلاب شرّ الاعتداء على فاعليه ما يدفع على الأمل ولكنني غير غافل عن تهديدات مبطنة و لا عن تشهير و اتهامات باطلة وخسيسة ولا عن صمت مريب و لا عن تشف يبرز أنفه




فقط أردت أن ألفت نظركم إلى أننا بإصرارنا على التقاضي و بكتابتي إليكم إنما دافعنا عنكم و عن مصالحكم  

أمّا أنتم فلم تفعلوا حسب المعلوم شيئا لتعاقبوا الجناة ولتوقفوا أذاهم و لتستعيدوا هيبة مؤسستكم و انضباط أعوانكم

و لذلك فأنتم تتحملون دوننا سلبيات أي إشهار قد نضطرّ إليه وامتنعنا عنه لحدّ الساعة و أنتم تعلمون و لا شك أننا فعلا امتنعنا عن اللجوء إلى ما في وسعنا الجوء إليه من جهات وطنية و دولية يهمّها أمر حقوق الإنسان عموما و أمر لينا بالذّات وهي من هي رمزا و ألقابا و فخرا لهذا البلد

فهل في وسعكم ، سيّدي ، أن تعطونا فرصة  لنلمس لديكم شيئا من عدل و إنصاف و تجاوز و تحمل لمسؤوليتكم وحرص على أمن مواطنيكم بأن تتداركوا أمركم بأن تعتذروا جهارا و تعدّلوا ما لا بدّ من تعديله قبل أن تغادروا


لن أنهي بالقول "مع احترامي" بل بأن أتمسّك رغم كلّ شيئ ببصيص أمل فيكم 


السّاعي إلى مواطنة حقّة الصّادق بن مهنّي

6 oct. 2013

تغريدات إلى روح والدي شعبان بن رجب بن مهنّي نشر بجريدة الجزيرة لشهري اوت ـ سبتمبر





أستسمحك، والدي، أن أقضّ مضجعك الأبديّ في زمننا هذا الجميل / الرديء لأخبرك أنّهم فقدوا صوابهم وأنّ عنجهيتهم ـ غرورهم ـ غطرستهم ـ غباءهم ـ صلفهم ـ لاإنسيانيتهم ـ تدافعهم المرضيّ يقودهم إلى إهلاكنا / هلاكهم. ولأؤكّد ما تعلمه: نحن لن نخاف ـ لن نهلع ـ لن نتراجع ـ لن نهرب بل سنتصدّى: بصدورنا العارية الصّادحة سنتصدّى، بمداومتنا سنتصدّى، بحناجرنا سنتصدّى، بأقلامنا سنتصدّى، وبهؤلاء القادمات / القادمين من كلّ حدب وصوب ـ من عمق تاريخنا ـ ومن مستقبلنا الوضّاء سنتصدّى... سنتصدّى وسـ... يهربون... سيهربون كما هربوا. ولكنّهم سيفرّون هذه المرّة بلا أمل في رجوع وتحت البصاق.
****

أمّا حفيدتك لينا فهي قد ردّت على هديّتك بمثلها: تغيّرت وأنت تتهيّأ لتغادرنا فأصبحت مع المرأة وأوصيتنا بأنّ لا فرق بين رجل وامرأة وقلت «أريد حفيداتي كما أحفادي: ناجحات، متعلّمات، متحرّرات»... ووهبتك ـ وهبتنا هي نجاحا رغم النوائب وبريقا حقّا رغم الدياجير، وتموقعت في الكوكبة الأولى تفتح طريقنا صوب الشّمس ـ تروّض أشواكه من مجالدتها وترشّه أزهارا وعشقا...
****

حفيدتك لينا تستظلّ بعشقها لهذا الوطن الزّاهي، لهذا الشعب الغالي، تحمل عمرها على كفّها هبة للكلّ، لا تعبأ بالمارقين ـ المنافقين ـ الغاصبين ـ التّابعين ـ الهمّج، ولا ترتاح يحفظها حبّ النّاس وصدق العزيمة وحسن السّريرة... لكنّني أكاد أجزم أنّك أنت أيضا تحميها ـ تظلّلها وتضلّل الآفكين ـ تدثّرها من عليائك بغيمة خير تردّ رصاص المتربّصين وتفشل مخطّطات القنّاصة ومنهم واحد رأيته ذات ليلة يتخفّى وراء نخلة مدخل الممرّ، وهمست لي: «أن اخرج ترَ !» ففضحته.
****
والدي، أعرف أن كان في قلبك شيء من مرارة وإحساس بالغبن لأنّك عشت وأسرتك سجني  في وحدة وتنكّر لك حتّى من كنت تحسبهم أحبّة وتحاشاك حتّى غالب أصدقاء العمر... لذلك أقول لك: «اهنأ بالا، حبيبي!، لقد دار الزّمن دورته وجاء تكريمك من نساء / رجال عرفوك وإن لم يكن لك بهم سابق صلة كرّموك إذ كرّموني وصفّقوا لذكر اسمك وذكراك، ومنهم من بكى، ومنهم من غنّى، وكلّهم كانوا / كنّ صدقا ـ حبّا ـ وانطلاقا ـ توثّبا...
****

والدي العزيز ـ معلّمي ـ وملهمي! علّمتني أن أقول كلمتي، أيّا كانت، ورأيتك كم مرّة تتمعّن في ما أكتبه ـ تحثّني على أن لا تنقطع كلماتي عن «الجزيرة»، ولأنّهم الآن يريدون إخراسي فيصبّون جام غضبهم على «لطفي» ـ أخي وإن لم تلده أمّي ولا ولده أبي، ويلوّحون أمام عينيْه بدنانيرهم وبعصيّهم الغليظة، أجدُني أؤكّد لك: أن اهنأ بالا: لن أسكت ـ لن أخرس ـ لن أتراجع... وسيخسؤون!
****

والدي صديقي ! صدق توقّعك: بعد أن أعلن بورقيبة أنّه «يوغرطة الذي انتصر» تصرّف بما يجعله يكون «آخر يوغرطة ينتصر»... لذلك نحن اليوم في ما نحن فيه... وبالمقابل قادك تشاؤمك ذاك العام إلى تقدير خاطئ: بدا لك أنّ أجيالنا الجديدة غير مهتمّة بالشّأن العام، وقلت لي: «حبّ الوطن يُرضع مع حليب الأم... وأطفالنا أصبحوا يرضعون حليبا جافّا نستورده من أمريكا، فكيف نتوقّع أن يكون أبناؤنا وطنيين؟... وها أنّ بناتنا ـ أولادنا يبزّوننا وطنيّة ويتفوّقون علينا إبداعا ويبهروننا بمداومتهم.
****

 سيظل وطننا كما حَلُمتَ به: أمسا مشرّشا في التّاريخ وحاضرا يعرفه النّضال وغدا أبهى.

هم الماضي والطمع الذي لا يشبعه شيء… ونحن قلب هذا البلد الخفّاق نشر بموقع اسطرلاب


متى تعلّق الأمر بمصير شعب وبمآل بلد لا يصحّ أبدا أن نتوهّم إمكانية الالتقاء والتّوافق وأن نسعى إلى حلّ وسط إلاّ إذا ما كان المعنيون جميعا يضعون فعلا نصب أعينهم الأفق ذاته !
يمكن أن نختلف ونتحالف ونتصارع وحتّى أن نتدافع ثم أن ننتهي إلى وفاق في جميع الأحوال والأزمان لكن شريطة أن يكون الهدف واحدا لجميعنا. أمّا إذا ما نحن اختلفنا حول الهدف النّهائي، حول نمط العيش المنشود، حول الألوان والتنوّع والتعدّد والحقوق النّوعية، فإنّه سيستحيل علينا أن نتآلف ونتوافق نهاية  وإن لحين !
هؤلاء الّذين عبّدوا طريقنا إلى ما نحن فيه وأعادوا الأمل إلى الأمل البائس وقادونا إلى أمجادنا التي لم تنقطع إلاّ لماما….. أمجاد الاستبسال والتحدّي والصّمود صدورا عارية إلاّ من أصواتها الصّداحة – خرجوا علينا من ديارنا ذاتها وقد نهلوا من واقع افتراضيّ، لم نكن لننتبه لكنهه ولا لصداه ومضائه، وانهمكوا فيه فقادهم إلى واقعهم يبغون اجتراحه أحلى وأبهى وأعدل وأحدث !
ومقابلهم  طلع علينا الآخذون الآن برقابنا ينوون حبس الأنفاس فيها، أو بالأقلّ عدّها، من ثنايا أزمان عفى الزّمن عليها وبهتت ألوانها ونصلت أنسجتها اِلتقطوا من ذكراها أحلك ظلماتها وتمنطقوا من أصفادها بأغرب ما ابتدعه جلاّدو الفكر فيها !
الخارجون منّا إلى الشّوارع هاتفين بالشّمس، ياسمين لغد أقسموا على أن ينبلج رغدًا، والمتمترسون بالسّاحات لا تحميهم فيها إلا خلجات .
أمّهات وأخوات وبنات جدّاتُهُنَّ الكاهنة وعليسة والفلاّحاتُ الصّابرات وعزيزة وصانعات أمجادنا المنسيات وسوفونيبه ومعالجات النّفس والرّوح والجسد، والمقبلون والمقبلات على الشهادة يحسبونها واجبا بل شرفا لا يبتغون منه  جزاء ولا شكورا ولا بطولة أو تعويضا، والمرابطون/المرابطات في ثغور الحرّيات فكرا وتعبيرا وحقوقا للإنسان أيّا كان عرقه وجنسه وموطنه وأيا كانت عقيدته أو ثقافته … هؤلاء جميعا عاشوا هنا ولم يغادروا إلا لشغل أو درس ولم تتعلّق هممهم إلا بالهنا وبالحاضر عيشا ومعاناة وإعدادا لغد أسعد…
أما هم فأغلبهم تواروا عن الأنظار وغادروا البلد أو فرّوا منها واِنتصبوا في أسواق العالم سماسرة يرتزقون يمنة ويسرة يكتنزون الرّيال والدولار ومن حين لحين يجاهدون على ركح تلفاز أو ببهو فندق عال العال، وبعضهم ظلّوا هنا يرفلون هانئين، وجميعهم ناحوا مذ مكر التّاريخ فبوّأهم ما ليس لهم وما يزالون ينوحون أنّهم عذّبوا وحرموا وهجّروا وضُيّق عليه وعلى ذويهم العيش… وما صحّ ذلك إلا لغير نافذين منهم… حتّى أنّك ما إن تنادي بفتح أرشيف العهد السابق وملفّات البوليس السياسي حتّى يهبّون إليك بل عليك من كلّ حدب وصوب وفجّ بل وشقّ يهوّلون الموضوع ويستعطفون النّاس ويعقّدون الأمر يلفّون به من تأجيل إلى تأجيل وفي نفسهم أن يجعلون نسيا منسيا…
وفيما هبّ ناس الثّورة يبغون بناء بلد للجميع، يحمون المبادئ، ويبشّرون بقوس قزح، هاتفين أنّ البلد يسع الكلّ وأنّ الشعب كفسيفسائه، تربّصوا من ناحيتهم بالسّلطة حتّى انقضّوا عليها، ثم أعملوا في أصلد وأرقى ما في البلد- نمط العيش وبعض مؤسّسات غالبت التخريب وأخلاق لم تهترئ رغم كلّ شيء- أعملوا أنيابهم وأظافرهم بل سكاكينهم وسيوفهم وأقوالا استلفوها من عباقرة الرّعاة ظاهرها خادع وباطنها كالقتل.
وفيها هبّ الشّباب يبغون الانتقال الحقّ ويحلمون جهارا بالتأسيس السويّ ويتنادون إلى  وطن لهم جميع ويشمّرون على سواعد الجدّ يبغون تدارك مافات وإحكام البنيان تسرّبوا كالغازات السّامة وراوغوا كالثّعالب وتسلّلوا كالجرب وأغراهم ما اكتنزوه وما وهب لهم فأرادوا ضعف أضعافه فحوّلوا الوطن حانوتا بل حوانيت وفاخروا بأنّهم إنّما كانوا يرومون الحصول على دكّان ففازوا بالسّوق كلّه…
وفي حين خجل أهالي الشهداء والجرحى وذووهم من مساعدات هي حقّهم ولم تصلهم، تهافتوا على تعويضات يوزّعونها فيما بينهم “شف الوجوه وفرّق اللحم” وعلى السّمسرة بكلّ شيء : شبابنا ليقتل وشاباتنا لينكحن ومقدّرات البلد يمتنّون بها لمن والاهم ولمن سحبهم إلى الصفّ الأوّل ودفع بهم – في لحظة إغماء أصابت التّاريخ عن غفلة- إلى عرش ما يزال أكثرهم غطرسة وادّعاء ومكابرة وتجبّرا يدّعون أنّه هبة الله سخّرها لهم…
وفي حين يبحث الباحثون عن مخارج من أزمة أرقّتهم إذ بدأت تقصم ظهور العامّة وتفتك بتوازن كثيرين، لم ينفكّوا من جهتهم يناورون ويسفهون ويخادعون ويصطنعون لعسفهم رجالا يركّزونهم في الأنحاء والجهات والمدن والبلدات والأحياء والمفاصل وحيث مفاتيح الإغواء والإغراء والترهيب والبطش والإيحاء والجذب والدفع والزّيف والتزييف.
وإذ ترفّع النّاس على أحزانهم وتعالوا على جراحاتهم ورفضوا أن ينجرّوا إلى العنف والتدافع بما زاد عن الفكر والكلم، ها هم يمضون في غيّهم لا يهمّهم –بل قد يُشبعهم- أن تتحوّل تونس –وطنُنا وسوقهم- ساحة وغى ودمار، وهاهم يهدّدونا مرّة بالصّوملة ومرّة بالسّحل –وقد جرّبوه- ومرّة بتهجيرنا ومرّات بقمع يعدّون العدّة له غازات وأسلحة يقتنونها وآليات تمنح لهم…
وفيما لا نكفّ نغنّي للسلام وننشد أناشيد الحرّيات هاهم قد دفنوا العدالة الانتقالية في مجلس شيوخ فاسد حوّلوه وزارة حيث لا تصحّ الوزارة، وها هم يحاصرون الإبداع والثقافة التي انطلقت مع الثورة بل قبلها وانعتقت منذ أوائل جانفي 2011 شعرا وصورة ورسما على الجدران وأفلاما وروايات وأغاني من كل مذهب واختيار ويبتغون جرّها من الساحات العامّة والاعتصامات ووسائط الاتّصال إلى سجون بسطوا عليها شراك دعاتهم وتحوّزوا بمفاتيحها وسخّروا لأقفالها بعضا من آليات قضاء لم يعصف بها بعد القدر الذي استجاب وما استجاب !
هم ماضون في غيّهم، وسيتمادون في التباكي وفي وعودهم المستحيلة، وسيقتلون منّا كما قتلوا، وسيهيئون لنا السّجون والمعتقلات والمنافي، وسيحاصرون بيوتنا وحركاتنا بل وحتّى أنفاسنا، وسيظلّون يعقدون الاتّفاق تلو الاتّفاق لينقضوا العهد تلو العهد، ولن يكفّوا عن احتكار الله يمثّلونه وحدهم ولا يهبُ سواهم، وسيستمرّون في القول باحترام الشرع والشرعية والقانون لكنّهم لن يتنازلوا عن إشفاء غليلهم من دم شعب هو في عرفهم ليس سوى عامّة ورعاع وبضعة ضالّين…
ونحن ماضون بنسائنا الرائعات وبشبابنا البديعين والبديعات وبكلّ الذين تخفق قلوبهم حقّا للرّاية الحمراء ولا يهمّهم أن يقضوا أو يعذّبوا كي تزهر الشمس في تونسنا جداول وشفافية وأزهارا وأغاريد…
هم الماضي والغيّ الفاضح والطمع الذي لا يشبعه شيء وتسلّط لن يدوم… ونحن قلب هذا البلد الخفّاق … هم يمضون باتّجاه النهاية / الانطفاء / الانخساف… ونحن نناضل من أجل غد يستند إلى ماض مشرّش نبنيه اليوم من عرق ودماء ليتباهى به وبنا ذات نصر هذا الوطن الغالي الذي ميّزهم فراموا اغتياله.
 ملاحظة : كتب ليلة 1-2 أكتوبر 2013 أي قبل الندوة الصحفية للطيب العقيلي ولجنته.

20 août 2013

إلى نساء بلدي


وأخيرا اتّضحت الأمور للنّاس جميعا وانجلت عن بعض العيون غشاوة كادت تتصلّد : ليس فيهم لا معتدلون ولا حمائم ولا ساعون وراء مصالح النّاس ولا مشفقون على هذا الشّعب !
بان الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتجلّت ضحكات أكثرهم وسامة صفراء ، سمِّية ووراءها دم !
الصّلف والغطرسة والرّعونة والعنجهيّة والنّفاق والطّمع المتهافت وشهوة لا متناهية على السّلطة ورقاب النّاس وتجنّ حتّى على الرّبّ وباسم الرّبّ ، وتصرّف العصابة – المهرّبين –المتكالبين على الثّراء السّريع – جماعات الضّباع الضّارية متى جاعت ... هذه أخلاقهم و واعزهم ...
لا شيء غير ذلك وتلوّن الحرباء لكن ليس تخفّيا بل للهجوم بل للهجوم وحرص على منكر العلاقات وتباك وشره للمغانم وعجز بيّن لخلق تبريرات وعبث بالأرقام والحقائق ومقدّرات الوطن !
لاشيء غير ذلك وسلاح يكدّس ومليشيات تُدَرًّبُ ولوائح المحكوم عليهم بالقتل تمتدّ و تتمطّط و الوطن و المواطنون – المواطنات متاع – رعايا وكلّهم مستباح !
ومقابل هؤلاء بل حولهم من كلّ الجهات في مواجهتهم ومن خلفهم وعلى رؤوسهم شعب رائع تحدّى القدر وطوّعه ، غلب خوفه وسخّره اندفاعا و إصرارا ، بدأ يتسامى على ما يفرّق و يبني عماد النّصر : وحدته و تآزر فئاته.
 مقابل هؤلاء ثورة غلبت أشعلها الشّباب وبعض شابّات وغدت مع الأيّام ثورة غلبت 
عليها الأنوثة ... نساءٌ...نساء ... نساء !




في كلّ الأماكن نساءٌ ...في الاعتصامات وفي المسيرات و في المظاهرات و في التّجمّعات  وفي حلقات التّكوين وفي نقل الأحداث وفي الحوارات ... نساء يطلعن من كلّ الأماكن : من الأحياء الشّعبية جميعها و من ملاذات الرّفاه : من الإدارات و المستشفيات ومن المعامل  و عطونة البطالة و من الجامعات – المعاهد – مدارس الصّغار ... نساء متطوّعات لا يرعبهنّ لا غاز و لا الخرطوش بل يزهو ببشائر الشّهادة المحتملة جدّا محيّاهم ..تساء يتحدّين التّعب والسّهر يغنّين ويرعين النّاس يعددن لهم ما يشدّ أزرهم ويدفعن الشّباب أن داوموا ولا تتراجعوا ، ويحدثن لدى أهل السّياسة خجلا يصدّ نزوعهم للمراوغة والتّنازل ويمنعنهم من التّفريط ..
يوم 6 أوت ويوم 13 أوت كانا يومي الثّورة الحقّ / يومي نسائنا – بناتنا – أمّهاتنا – حفيداتنا – صديقاتنا – رفيقاتنا – جدّاتنا / يومي المرأة تهلع من دامس ينهال على أبنائها – بناتها فتنقضّ عليه زاهية – جميلة – بألوان الوطن – صادحة – غير مبالية بالضّباع /  يومي التّصدّي والتحدّي من قبل من يحسبونهنّ جنسا ضعيفا وهنّ القوّة – الإبداع – الولادة – العطاء – الوفاء – المكابدة ...
حًصُلً الفرز واندلع الضّياء و غدا الدّرب سالكا .
نساؤهم متاع – نكاح جهاد – ببّغاوات يردّدن ما يهمس به إليهنّ – عورات يعيّرن بذلك – لا طعم / لا رائحة / لا لون ... و رجالهم بغي و تسلّط و طمع وعمى البصيرة و تيه خارج الزّمان و التّاريخ ...
ونساؤنا المستقبل يتعالى على الذّبح – يشددن أزرهنّ الواحدة بالأخرى وجماعات جماعات وينبعثن من ترمّلهنّ لبؤات ومن تثكّلهنّ مجاهدات ، ورجالنا تعلّقت هممهم  بمواطنتهم وإنسانيّتهم وتحرّروا يتعلّمون من أمّهاتهم / يفخرون بزوجاتهم / يسندون بناتهم / و يتصدّون جنبا  إلى جنب مع أخواتهم ...
هم الأمس السّحيق يريد أن يسحق الآمال و يسدّ باب المصائر و يحول دوننا ودون الشّمس .
ونحن من مجالدة أمّهاتنا جُبِلْنًا ومن توق بناتنا نهلنا وبشموخ أخواتنا انتشينا ومن صبر زوجاتنا استمددنا المداومة وكيف نقاوم مبتسمين ... نحن : نساؤنا ونحن سنصبر عليهم ولن نشدّ حبالهم / لن نجاريهم إلى عنف يعشقونه بل سنطيل حبالهم لا كي نطيل حياتهم بل لتكفيهم لينشنقوا  - لينشنقوا بتكالبهم وتهافتهم وصلفهم وخبثهم ينقلب عليهم  / وسنغضّ الطّرف عنهم ينزاحون الواحد إثر الآخر يعودون إلى مهاجرهم وقد تقوّست ظهورهم بما حملوا من دمنا – حقّنا متاع دنيانا – يندحرون تباعا ويغدون كما هم على حقيقتهم  : عصابة سوء انتشت من سلطة ألقاها مكر الزّمان بين أيديهم : عصابة هدم وشقاء وغدر وتسلّط أهلكها الطّمع ...
سيؤذوننا أكثر وسيلقون شباكا أبشع على غد بناتنا ، أبنائنا ...ولكنّهم حتما سيندحرون ...قريبا جدّا سيندحرون .

الصادق بن مهنّي                                                 19/08/2013

8 mars 2013

يحيا الشباب


مرّة أخرى ،ومرّة ، ومرّة يأتينا الجواب والحلّ و فتح الآفاق من شباب هذا البلد فتيات وفتيانا .
ومرّة أخرى ، ومرّة و مرّة تكون نخبنا عاجزة عن الفهم والإدراك وفالحة في إضاعة الفرص وصمّ الآذان عن هدير التّاريخ ، وتغشى أبصارها فلا تنظر للشّمس بل لخيالها .
شبابنا وشابّاتنا اختبروهم – جرّبوهم – ناوشوهم – تحدّوهم – ناوروهم - داوروهم ،ومثلما فعلوا مع من خلفوه وأداموا عهده وإن باسم مغاير  ، فضحوهم – كشفوهم – عرّوهم – وأفلحوا في استثارتهم بما أبان عن بعدهم الحقّ وأنطقهم بلسانهم الصّحيح وأعطاهم  حجمهم الذي لا حجم لهم سواه ...
انظروهم يهرولون – يتردّدون – يتهافتون – يتكالبون – يجنحون ...انظروهم: وجوههم حقد وضغينة ووعيد – ومنطقهم صلف وتضارب وعتاد المرضى وعنجهيّة الفاشلين وحنق الفزعين وهراء الجهلة – وتصرّفاتهم خيلاءُ الهمّج وصراخُ الحاقدين وتلاعب الحمقى يرون الحمق في غيرهم وهو قد تأصّل فيهم ...
وانظروا نخبنا – معارضتنا – مُعَاضَدَتهم - طبقتنا السّياسية – مستشارينا – مختصّينا – محلّلينا يهابونهم – يخشونهم – يتهافتون على ظلّ كلّ فتات يلوّحون لهم به – يجرون وراء كلّ سراب يبدونه لهم  - لا يرون أبعد من اللّحظة – يستهويهم وهم الأوهام التي يلوّحون لهم بها  - يصمّون آذانهم عن هرطقتهم وسبابهم ووعيدهم بل وحتّى عن تناديهم الذي لا يكفّ إلى العنف والدّم والغياهب – يصمتون على زحفهم المستمرّ على صدورنا \صدور الدّولة والبلد والتّاريخ والحياة\ صدور مستقبلنا وأمسنا ويومنا الذي نفروا  وعده وتوثّب شبابه – لا يرون أو يتعامون على فعالهم – يصفونها بالتّخفّي والتّستّر وهي ظاهرة ، بارزة ومتبجّحة – يفرشون تحت أقدامهم بساطا \ يمدّون إليهم أطواق النّجاة \ يصيّرونهم طالبين وهم المطلوبون \ يرونهم " مفروشين " يرتعدون فيحسبونهم الغالبين ...
انظروا دم الشّهيد رسم معالم الدّرب واتّجاهه ومداه والشّمس في آخره ... انظروا كيف باغتهم الحشد يوم  6 ولكنّهم سرعان ما استعادوا جأشهم وأخلاقهم  الحقّة وهاجموا النّاس \ ضربوا النّساء والأطفال كما في يوم  9 من أفريل \ وأطلقوا الغازات غزيرة وكثيفة على سيّارة إسعاف عزلاء فزعا من شهيد جاءهم قائما حاملا كفّه ماسكا بقبضة زوجه مرفوعا على أسى رفاقه ...
انظروهم وقد سعوا إلى إفساد العرس \ أطلقوا عليه مسعوريهم \ فرّوا من حشده الذي راعهم بل أرعبهم مداه  وأذهلتهم ألوانه وأصواته ، وأقضّ مضاجعهم صداه ...
 اسمعوا شبابنا – فتياتنا – نساءنا – شيوخنا - عجائزنا شخّصوا الفعل \ أشاروا إلى القاتل الحقّ \ رفضوا الدّم \ لم يفكّروا في خوفهم \طوّعوا حزنهم \برّدوا غضبهم وخرجوا هادئين ،واثقين ، مصرّين \ تنادوا إلى الثّبات – المقاومة – رفض الخنوع والخضوع والانجرار إلى أوحال التّدافع الذي يدعون إليه \أشاروا إلى الآثم في صبر وترفّع \ وتماسكوا  متعالين عن الإسفاف وغرائز الثّأر \واستعادوا الشّارع وحناجرهم وإبداعاتهم وثقتهم في الشّمس تنتصر .
واسمعوهم هم يخادعون أنفسهم يتهجّون كلمتي" الشّرعية "و " الشّارع " ،ينبحون \يتصايحون \ لا يقدرون إلّا على ذمم أضاعها الفقر والغباء \يصرفون مالا ليس مالهم ولعابهم ولغتهم "البائتة " للإيحاء بأنّهم "من حديد " و" دائمون " و" ربّانيّون " ومالكوا الحقّ والحقيقة والمطلق والدّين \ ويطلقون على النّاس وعيدهم بالويل والثّبور \ ويقرّون من حيث لا يشعرون أنّهم ليسوا سوى طلّاب سلطة اغتصبوها واستداموها ولا ينوون ، حتى بمجرّد أن يفترضوا ذلك جدلا ، أنّها يوما ستغادرهم ...
 وتساءلوا : هل فعلت نخبنا – طبقتنا السّياسية شيئا ممّا كان مفترضا أنّها تفعله ؟ هل تنادت إلى شعبها – مجتمعها المدني – شبابها – تفرّعاتها ودفعت الأمور إلى الأمام ؟
طبعا لا أعمّم : بعض الشّباب وبعض "جبهة "وبعض أحزاب سعوا ، وتعفّفوا وتمسّكوا بدم الشّهيد ولم يخطئوا معالم الدّرب السّالك وإن شرط العناء والبذل ...

سمعني أقول إنّنا دخلنا في نفق مظلم ...وأنّنا سنعاني ونقاسي ونُطْعَنُ  و نُجْرَحُ ونُقَتّلُ ويجوع شعبنا وتنتهك حرماتنا  ونُخْرَجُ قسرا من الزّمن والتّاريخ و" الهنا " و "الآن "
-         قال : "أنت متشائم"
-         قلت: " لا ...سيدوم الأمر لهم خمسا أو ستّ سنين نخسر ونهان فيها يشنّعون بنا خلالها وتهدّم أثناءها حضارتنا وثقافتنا ومكتسباتنا وحقوقنا وتضرب أعناقنا وأخلاقنا ويسود أيّامها العبث والجهل والعدم والتّبجّح وسرقة حقوق النّاس والرّبّ ...ولكنّنا سنصمد ...ليس أمامنا من خيار غير أن نصمد ...ستصمد نساؤنا ، سيصمد شبابنا ، سيصمد جنوبنا وشمالنا والغرب والشّرق والوسط ، ستصمد الحناجر والأقلام ، سيصمد المسرح والخطّ والرّسم ،سيصمد الفكر ، والتّوق والإباء والعزم الرّاسخ ...ثمّ سيبدأ تسارع هبوطهم الذي بعد قد بدأ... ومن هنا من أرض تونس الرّقص واللّحن الشّذيّ، تونس الوطن الحقّ ، وطن المواطن لا بلد الرّعايا ، وطن الإنسان إنسانا كاملا بشرا كالبشر لا بلد الدّعاة والمدّعين وقاهري النّساء والمفترين على الدّين والمنغلقين على استيهاماتهم و خيالاتهم الباغية ...من هنا من أرض الياسمين والزّيتون والبرتقال والهندي والشّيح والإكليل والزّعتر سينطلق الفصل النّهائيّ بين اليوميّ والمقدّس ، بين الدّين والدّولة ، بين الحكم والدّعوة ، بين الحقّ والباطل ..."
-         قال : " ولماذا نقبل أن نخسر ستّ سنين من عمر وطننا ، بخلاف ما سينجرّ عن هذه الخسارة من تدهور وانحطاط وفساد وإفساد  ، وخراب وعجز ودمار ؟ "
-         أجبت :" لأنّه لا خيار لنا غير ذلك ..علينا أن نصمد ونقاوم حتى ندحرهم ويندحروا "
-         سارع :" ولماذا لا نردّ عليهم خططهم ونعمل بمنهجهم وسلاحهم وتكتيكاتهم ؟ لماذا لا نهاجمهم كما يهاجموننا ؟ ولماذا نتمسّك بالدّعة والسّلام ونتركهم يقتلوننا ؟"
قاطعته :"هذا هو قدرنا ...ثورتنا ثورة هادئة مسالمة ومتحضّرة .وهم أجلاف غلا ظ وذبّاحون ...فلنُطِل عليهم حبالهم : بصبرنا وعزمنا ورفضنا ان نماهيهم ، لنُطِلْ عليهم حبالهم لا كي نطيل حياتهم : فهم أعداء الحياة ، بل لتكفيهم لينشنقوا لينشنقوا بحقدهم وضغينتهم وغيظهم وجهلهم ومعاداتهم للحياة والإنسان والوطن ."
-         قال : " عمّي لو سمحتم  وقبلتم أن نبارزهم فنحن لهم غالبون ...لا يهمّ أنّهم سبقونا إلى العنف وأعدّوا جحافلهم له وراكموا السّلاح من أجله ...جحافلهم مرتزقة ونحن جنود الوطن ...وشتّان بين المرتزقة وبين الذّائدين عن أمّهاتهم وآبائهم وعن الغد ... شتّان بين خفافيش الظّلام والنّعيق والتّعدّي وبين عشّاق الوطن والحياة والشّمس ."
-         أجبت :" لا يا ولدي لن نكون مثلهم ولن نتخلّق بأخلاقهم : سنهزمهم بعزمنا لن تعوزنا التّضحية ولن تخيفنا شرورهم ، لن نردّ بالحقد على حقدهم الأسود ...سنهزمهم بالكلمة والفكرة والإبداع والإصداح والتّظاهر ...وسيهزمهم معنا صلفهم وتعاميهم وخروجهم عن الوطن والتّاريخ ونواميس البشر ..."
-         أصرّ : "نحن هنا ...ونحن ندرك أن لا استجابة لديهم لأهدافنا ، وأن لا قدرة عندهم على تحقيق ما نصبو إليه ... سرقوا ثورتنا وعطّلوا سيرنا إلى النّماء والعدل والحرّيات ...ويمضون قدما في عنفهم ...لكنّنا ندرك أنّنا أبناء وبنات شعب نادى : "ما شئنا لا ما شاءت الأقدار؟ "
-          فمتى يرعوي ساستنا ؟

                                                      الصّادق بن مهنّي

15 févr. 2013

بصيصُ أملٍ في فضاء عَتَمَة


 جريدة «الجزيرة» ـ فيفري 2013

أن تسافر على الطرق الطويلة وأنت تسوق سيّارتك ليس كأن تستقلّ لذلك وسيلة نقل عموميّ: قطارا أو حافلة!وأن تتجوّل في جربة بسيّارة ليس كأن تمشي على الأقدام!قد يبدو التأكيدان أعلاه تكرارا لجمل فارغة أو إعادة مسلّمات. ولكنّني لم أستخدمهما إلاّ لأنّني عشتُ في الأيّام الأخيرة ما جعلاهما يملآن وجداني ويدفعانني إلى أن أقرّر الاعتماد منذ الآن على المشي والوسائل العموميّة للنّقل.في أقلّ من أسبوعيْن سافرت من تونس إلى جربة والعكس ـ وبين جربة والجم ذهابا وإيابا ـ وبين جربة وقابس في الاتّجاهيْن، وتجوّلت على الأقدام في أنحاء عدّة من جربة فاكتشفتُ أنّني في الحافلة أرى ما لا أراه في السيّارة ـ لأنّك تكون أعلى وغير مركّز على السياقة ـ وصحبة أناس عديدين وليسوا ـ ضرورة ـ ممّن أنت متعوّد على صحبتهم. واكتشفتُ أنّني وأنا أمشي أرى ما لا أراه راكبا. لأنّك وأنت تمشي لا تركّز على الطريق إلاّ قليلا بل يسرح نظرك في جميع الاتّجاهات ويمكنك أن تتوقّف لتركّز على مشهد ما أو تغيّر زاوية النّظر وفي وسعك أن تتأمّل...وفي الحافلة كما في حالة المشي يمكن لذاكرتك أن تتفتّق بأكثر يسرـ فتسترجع من خباياها صورا ومشاهدا وأحداثا ـ فتمكن المقارنة ويتيسّر البناء على البناء ـ ويرتبط الأمس باليوم وينفتحان على الغد.في الحافلة عاينتُ ما لم أعاينه من قبل رغم كثرة تنقّلاتي: ما بين البطّاح وقابس أوّلا رأيت بوضوح تصحّر واحاتنا الجميلة ـ تصحّرها من نخلها ونخلها ورمّانها وطوابقها الزراعيّة الثلاثة ونخلها ـ وسطو الرّمل ـ عذرا الاسمنت ـ عليها... رأيت هذا من عرّام حتّى قابس... ولم يخفّف ما أحدثه ذلك في نفسي إلاّ ما رأيته من انبساط الزيتون على تلك المساحات الشاسعة التي كانت من قبل جرداء في «الدّخله» ما بين الجرف وعرّام... كتّانة لم تعد كتّانة... ومارث لم تعد مارث... وطلبلبو لم تعد طبلبو.. ومدخلا قابس من الجنوب ومن الشمال أصبحا ينطقان بالدّمار.زرعوا فأكلنا. ونحن لا نزرع بل ندمّر. ندمّر ونصحّر. بل نحن نفعل أكثر من أن نصحّر. فالتصحّر يُعالج ويُداوى ويمكن أن يُغلب. أمّا الاقتلاع ـ اقتلاع سنين بل عشريات وحتّى قرون من النّماء البطيء لكن المستمرّ ـ وإثقال الأرض ، كاهلها وباطنها، بالإسمنت المسلّح فيعسُر، إن لم يستحل، التدارك معهما.ونقول إنّنا بلد له استراتيجيّة لتهيئة ترابه. ونقول إنّنا بلد له مثال تهيئة عمرانيّة لحوالي 250 بلديّة. ونقول: إنّنا بلد لنا مخطّطات للسياحة وللفلاحة وللصّناعة وللتّعمير وللمناطق الهشّة وللمناطق الحسّاسة و... و... و!!!!ونزعم أنّ ما عملناه لحدّ الآن من فصول الثورة قد حقّق خيرا عميما وأنّنا بدأنا نبني ديمقراطيّة.أديمقراطيّة هذه؟!!! أَ مِنَ الديمقراطييّة أن نبدّد مواردنا الطبيعيّة وتراثنا الذي قدّه أسلافنا الخيّرون من جهدهم وعرقهم وسهرهم وإبداعهم؟! أَ مِنَ الديمقراطيّة ومن علامات الانتقال نحو الافضل أن تعمّ الفوضى والعشوائيّة مدننا وقرانا وأريافنا وأن يغدو معنى الحريّة الأوّل حريّة التبديد والإفساد والتعنّت والفردانيّة وتجاهل الآخر ـ الآخرين وسحق مقدّرات أجيالنا القادمة؟!وما شاهدته في النّواحي التي ذكرتُها آنفا شاهدتُ مثله في محيط صفاقس وبالجمّ... ورأيت أيضا كيف أنّ طرقاتنا تتهرّأ ولا من يهتمّ، وكيف تعمّ الأنقاض والأوساخ والزّبالة والبلاستيك كلّ مشاهدنا!ورأيتُ كيف تهرّأت تلك الواحة التي كانت فاصلا أخضر بين شنتش... النّجاة ـ التي بُنيت في الستّينات على ربوة جرداء بعد أن فاضت قابس المدينة ـ وبين قابس التاريخيّة وأصبحت تحتلّها هي وسبختها ـ بما كانت تعجّ به من حياة ـ مبان لا جماليّة فيها ولا أنغام ولا ميزة ولا خصوصيات، ومنها مبنًى كريه الواجهة يزاحم حتّى الطّوار ضيّق المدخل يشتدّ فيه الزّحام ويُسأل النّاس فيه: «شدّوك سكران؟ وعندك سلاح أبيض؟ علاش سيّبت نعاجك تسرح في غابة النّاس؟ .. إلخ، .. إلخ، .. إلخ.» ثمّ يُسأل فيه شباب تونس التوّاق إلى الشّمس والمتوثّب إلى الأمل الحقّ: «كتبتم على الحيطان؟». ويستوي بذلك ـ بل يُراد أن يستوي ـ من أذنب أو جَنح أو اعتدى أو أجرم ومن عبّر، عبّر، ولم يفعل سوى أن يعبّر!يستوي أو يُراد أن يستويَ، من لعلعه السّكر هربا من هموم الدّنيا فترنّح، ومن أطمعه برسيم أخضر في عام جدب، وشباب الثّورة الذين أطلقوا شعبا كاملا من قمقمه وتصدّوا للطّغيان وما زالوا ولن يزالوا يتصدّون!وأنا أنزل من حافلة ركبتُها فجرا وتعطّلت بعد البطّاح بقليل فذكّرتني بأيّام زمان ـ أيّام الدراسة بقابس وتنقّلاتنا كلّ ثلاثيّ التي كانت مغامرات أو كالمغامرات ـ شعرتُ بفخر إذ رأيت شبابا ـ فتيانا وفتيات ـ يتحدّون المنع والكبت والتسلّط والاستبداد المهين إثر ثورة، ويصدحون بحبّهم لبلادهم وعشقهم لناسهم ويعرّضون ذواتهم ـ ذواتهنّ ليكونوا هم ـ هنّ أيضا «زواوله» كالـ «زواوله» يُسألون أمام محاكم كان من الأجدى والأجدر أن تُسخّر لتبني حرّيتنا ـ كرامتنا ـ عدلنا فتُسائل وتحاسب وتحاكم من ينتظر غالبيّة النّاس أن يُساءلوا ويُحاسبوا ويُحاكموا!أمّا عن المشي فلا تسأل!بدت لي جربة هذه المرّة أكبر من كلّ غزاتها الجدد.زرت شاطئ حومة السّوق وطلب صديق أن يرى مسلّة «برج الرّوس».وكان لنا ذلك... المسلّة ما تزال هنالك وإن أزال حاكم خانع «برج الرّوس» ذاته بإلحاح من غاصب يتوثّب... ولكنّ الرّمز لم يُطمَر والأثر لم يُمحَ والتّاريخ لم يُنسَ...وكما الحال مع «برج الرّوس» الذي كان تعبيرا عن الإرادة والتحدّي والعزم والحزم، والذي دلّل على أنّ الشعب وإن شحّت قدراته قادر على تسخير القدر وتطويعه وصنع المستحيل، تظلّ جربة قادرة اليوم على الحفاظ على الكثير من ثرائها وميزاتها وخصوصياتها وحلاوتها...صحيح أنّ جربة تعاني وتئنّ وتبكي.وأنا أمشي: رأيت أجداث نخل اِقتُلع أو حُرق... في كلّ مكان... ورأيت زيتونا دهريا كم شاهد من غزاة يعبرون يجتثّ عند مداخل ميدون... ورأيت بنايات في وسعها أن تفوز بجوائز «البشاعة» أيّا كانت المعايير... ورأيت أناسا لا يهمّهم إلاّ بطونهم وما يحسبونه رفاههم... ورأيت تكثيفا عمرانيا بالطول والعرض وعموديا سدّ الآفاق وتطاول على التّاريخ وسرق الزّرقة الصّافية...ولكنّني رأيت أناسا ما زالوا يعشقون البساطة والصّفاء والجمال.ورأيت زياتين تصمد بحَبّها الخيّر وحُبّها المضيء وسخائها الأزليّ... ورأيت النّخل يعود من توحّشه الذي صيّره إليه الإهمال فيعطي ويغري...رأيت أناسا يجاهدون ـ يجمعون الزيتون ـ يرعون أراضيهم ـ يحيون منازلهم ـ يعودون إلى عشق شواطئهم المنعزلة و«غاباتهم» التي كانت مهجورة وينظرون بعيون الشفقة إلى كلّ أولئك يتهالكون على الرّبح السّريع أسمنتا و«مناشر» و«نصبات» غزت حتّى ما لا يُغزى...أن تسافر في الحافلة يعني أيضا أن توهب فرصة بل فرصا لتقابل أناسا من كلّ الأعمار وكلّ الجهات وكلّ الخلفيات وكلّ الأفكار والرؤيات والآراء...غير أنّني لن أفصّل في هذا إذ يكفي ما أطلت... فقط أريد أن أقول للثوريين والسّاسة: «سافروا على وسائل النّقل العمومي... وستكتشفون مظاهر وعناصر ومعطيات وناسا لم تكونوا تتوقّعون سبلا إليها وإليهم.»
27 جانفي 2013

يد عون الى ان نمضي قدما

قبل أشهر كنبت أنّ الثّورة تتواصل بين مدّ وجزر وجزر .ولمّا ابتغت الجريدة حذف"جزر" الثّانية تمسّكت بها .وها أنّتي الآن أقول "إنّ الثّورة تستمرّ بين جزر ومدّ ومدّ..."بل وها أنّني أضيف "بل الثّورة أصبحت في مدّ عظيم ، هائل هادر و...ممتدّ."
لاحظوا :قليل هم  أولئك الذين يتسائلون "من القاتل؟"واستمعوا إلى الحناجر الهادرة : حناجر النّساء والبنات  والشّبّان والعجائز والأطفال  والكهول جميعا تعلن من هو القاتل  ، بل من هم القتلة ، وتتحدّى ...
تأمّلوا الصّور والفيديوهات : لا أحد كان يقود ...لا أحد كانت تصدر عنه الشّعارات لوحده ...التّاس جميعا كانوا يبادرون - يعبّرون – يصدحون – يفضحون- يتصدّون- يتعالون على الألم والغضب – ويدعون إلى أن نمضي قدما .
وتأمّلوا صور وفيديوهات وكلمات الطّرف الآخر: هجومات على الجنازة خارج المقبرة وداخلها (وأنا أعتذر هنا لفتى خطفوا هاتفه وحاول التّصدّي وكان شجاعا لكنّهم كانوا كثرا ورموه بالحجارة وهدّدوه بموسى ولم يكن في وسعي أن أنصره ...وعذري أنّني لم أعد في عنفواني وأنّني كنت حينها أحمي آخرين ...حدث ذلك في الطّريق إلى مربّع الشّهداء ) وغازات "تخطئ" طريقها فتتهاطل على الموكب وعلى المستشفى بدل أن تستهدف السّرّاق والمخرّبين ،وسيّارات – كميونات تهرّب المفسدين تسرع فتهدّد المعزّين والمارّة:وأناس "يخشون الله" يسبّون الشّهيد ويلعنون ذكراه ويتبجّحون علنا على الشّاشات وفي الشّوارع أنّهم لا يأسفون لاغتياله ، ووزراء يمتنعون عن الإقرار بشهادة الشّهيد وهو لم ينتظره منهم يوما – وسارقو الدّين  - وآسرو الله – يدّعون أن لا أحد يعرف تعاليمه سواهم – وينسبون له نصرته لهم وليسوا لا رسلا ولا أنبياء ولا حتّى أولياء صالحين ينفثون حقدهم وبغيهم ووعيدهم في كلّ مكان .
لا حاجة لنا أن نعرف من القاتل – القتلة فلقد عرفتهم الحناجر المتعالية على ألمها .
لا حاجة لنا أن نعرف من القاتل – القتلة فهو- هم  قد فضحوا أنفسهم هذا بصمته ،وذاك بصلفه والأخرى بادّعاءاتها وتبجّحها .
لا حاجة لنا أن نعرف من القاتل –القتلة فهو – هم قد أبانوا عن هويّاتهم بصلفهم- ووعيدهم-تهديداتهم  وبعبيدهم الذين سخّروهم – حرّكوهم على الشّبكة يفبركون وقائع مزيّفة ويركّبون الشّهادات المضلّة .
لا حاجة لنا أن نعرف من القاتل – القتلة ، فنحن وهم نعرف من القاتل القتلة وإن لم نعلم من ضغط على الزّرّ.
ولنتأمّل ما حدث وما يحدث ولنستعدّ لما سيحدث .
ارتقوا إلى السّلطة بالانتخابات ... لكنّه كان للانتخابات غاياتها  وكان للمرحلة استحقاقاتها وكان للسّلطات الوقتية إطار محدّد ... وتجاوزت السّلطات الوقتية إطارها المضبوط صلوحيات وأهدافا ، وتعدّت الظّرف الزّمنيّ المقرّر لها . ولم تهتمّ إلّا بغزو أجهزة الدّولة تركّز فيها تابعيها . ولم" تناضل" إلّا من أجل تأبيد بقائها على رأس حكم وإن وهن وتشتّت وغدا عاجزا عن الاستجابة لأبسط أحلام النّاس ولتأمين أدنى حقوقهم في البقاء ...أي أنّ السّلطات المؤقّتة تنكّرت عمليّا وعلى أرض الواقع لأحلام كلّ الذين تمرّدوا – تمرّدن وثاروا – ثرن ، وانقلبت حتّى على من انتخبوها ، وفشلت فشلا ذريعا – وهذا من طبعها وطبيعتها – في أن تصغي لنبض الشّارع ، ولم تتجنّد إلّا للتّرحيب بكلّ من هبّ ودبّ ممّن أنقدونا من مالهم  وكلامهم من المتعجرفين  والمتخلّفين والجهلوت  واللّاهثين شبقا يتستّر بالدّعوة ...
هم لم يخونوا الثّورة وأهداف الثّورة والشّهداء والجرحى . لا ، كلّا ، وألف كلّا . فهم لم يكونوا يوما مع الثّورة  ولا مع أهداف الثّورة وإن ادّعوا ذلك مخاتلة وتغريرا و خداعا .
هم هواة سلطة ... سلطة مطلقة ولم تستهويهم يوما المبادئ  التي توافقت عليها الإنسانية جمعاء وإن هم استمتعوا بغلّاتها .
هم غرباء عن هذا البلد تاريخا وفكرا وحسّا وجغرافية : انظروهم يدرّسون أبناءهم وبناتهم بالغرب الذي يشتمونه ...وانظروهم يؤسّسون الشّركات ويستملكون العقارات هناك ، وتذكّروا: كلّ الفاسدين والطّغاة يسارعون باستملاك عقارات خارج بلدانهم بل ذلك هو أوّل ما يفعلون ... وهؤلاء فعلوا حتّى قبل أن يتربّعوا على العرش...
هم سلاطين وخلفاء و أمراء ونحن في عرفهم رعايا – مسخّرون – أتباع –جواري  سريّات – منقادون – بل متاع .
الصّورة واضحة وجلية : هم قد أدركوا أنّ ما ادّعوه عن تمثيل الشّارع ووقوف النّاس وراءهم ليس إلّا سرابا ...هم تبيّنوا أنّ كلّ الأموال التي يستلفونها على حساب مستقبل أبنائنا لا تكفيهم لحلّ مشاكل النّاس هم فهموا أخيرا أنّ صلفهم وطمعهم ووعيدهم وتباكيهم وادّعاءاتهم هي كلّها تكتيكات غدت فاشلة وعاجزة ...هم قد أدركوا أنّهم لم يعد أمامهم للبقاء على عرش السّلطة إلّا طريق العنف والقمع والقهر والتّقتيل ...
لكنّهم سيكتشفون – وإن بعد أن يكونوا قد أحدثوا دمارا هائلا وجراحا مثخنة – أنّ هذا الشّعب قد تعلّم كيف يتغلّب على خوفه وكيف يغالب وجعه وكيف يروّض القدر ويمضي .
النّاس اختاروا مسارهم ...الجماهير هدرت بأهدافها ...نساؤنا زغردن للشّهيد وزغردن للمستقبل الوضّاء .فهل ستجد الطبقة السّياسية هذه المرّة سبيلها إلى ملاقاة النّاس ومستقبلهم؟               


مقال بجريدة ضد السلطة بتاريخ 16 فيفري 2013

3 févr. 2013

ثور يا صادق ثور

أيّام الدّراسة بالمعهد الثّانوي بقابس – وكنت بيّاتا بالمعهد الفنّي – كنت من أولئك الذين يسهرون طويلا ويعسر عليهم أن ينهضوا باكرا . وكان رفيقي بالمعهد ، ساكن السّرير العلويّ ،على عكسي، ولذلك كان يسعى كلّ صباح لإيقاظي بأن يهزّني هزّا ويناديني : "ثور يا صادق ، ثور ."
وبعد ذلك بسنوات طويلة التقيت رفيقي  - إيّاه- وأنا خارج للتّوّ من جامعة برج الرّومي... عانقني بحرارة وهمس في أذني : " أعتقد أنّ سوء تفاهم قد حصل بيننا ... حين كنت أناديك لأن تثور. لم يكن في خاطري فعل الثّورة بل أن تنهض ... من نومك "
قفزت إلى ذاكرتي هذه "الطّرفة"( ولم تكن طرفة بل واقعة) وأنا في طريقي إلى محاكمة "زواولة"بقابس .
ومعها قفزت كلّ التّساؤلات التي غدوت أسمعها كلّ يوم حتّى أرهقتني بل أنهكتني :" هل أنجزنا ثورة ؟ ألم تكن مجرّد انتفاضة ؟ بل ألم تكن تضافر أفعال أهمّها مؤامرة أو انقلاب ؟ وألم يكن العامل الخارجي هو المحدّد ؟ وألم نكن على حال أحسن من قبل ؟...إلخ"
لن أجيب على هذه التّساؤلات هنا ، بل إنّني سألامس بعضها وأجدّد دعوة رفيقي في الثّانوي: "ألا انهضوا يا شباب تونس واستمرّوا ، استمرّوا فالقمر في متناول أياديكم ." ألا انهضوا  من النّهوض وضدّه القعود ، وليس من نهضة همّها أن تخضعنا للأجداث و"العبابث" والكتب  البالية .ألا ثوروا- ثوروا – ثمّ ثوروا ، واستمرّوا : بدأتم وأفلحتم ، وائتمنتمونا فخذلناكم – لكن الغد - بل اليوم – في أيديكم ،حناجركم ،لوحات حواسيبكم ، تظاهركم،اعتصاماتكم ،أشعاركم ، رسومكم ، مسلسلاتكم المصوّرة ، فديوهاتكم ، قرافيتيكم ، مسرحيّاتكم ، إبداعاتكم وإن حسبها الخاسئون كفرا .ألا تجاوزونا ولا تقدّمونا بل سخّرونا : أنتم النّخبة والحقّ والصّدق والتّطلّع والفلاح ، وأفضل من فينا لا يصلح إلّا أن يكون جنديّا في خدمتكم ... فلتبدعوا ، ولتنتفضوا ولتفاجئونا مرّة أخرى بل مرّات ومرّات ، ولترفضوا نزوعنا إلى الإحباط والتّفلسف المرضيّ  والتشاؤم أو حتّى التّـشاؤل ".
القضية لم تعد قضيّة " شغل  وحرية وكرامة وطنية " فحسب . القضية غدت مسألة بقاء  .والسّؤال المطروح صار ك:هل نحن حقّا جديرون بأن نكون  إنسا كالإنسانية  جمعاء      و مواطنين كاملي المواطنة كما حلمنا ؟
القضية يا بناتي وأخواتي ويا أبنائي وإخوتي يا أيها السّاعون إلى الشّمس والسّاعيات إلى الجنّة الحقّة ، القضية غدت الآن تمسّ كياننا وبقاءنا وجدارتنا بأن ننتمي فعلا إلى الجنس البشريّ ، وأن لا نداس بالنّعال ، وأن لا نهان كلّ يوم ولحظة في بلدنا وأطفالنا وتاريخنا وإرثنا وحقوقنا ، وأن لا نتحوّل جواري– غلمانا – تابعين – عبيدا- سريّات ، وأن لا تكمّم أفواهنا وتقطّع أصابعنا ويقيّدنا هؤلاء القادمون إلينا من قصور أوروبا وبول بعير  الأعراب من خلاف ، وتكسّر أقلامنا وألسنتنا ... القضية أضحت يا أعزّائي  - عزيزاتي أن نحفظ قليلا من ماء وجهنا وأن ننفض عن وطننا هؤلاء الجهلوت – المرضى الخارجين من ظلمات الدّهور المتمترسين وراء الدّولار ...
من قبل كنت ألعن الزّمن والظّروف وقلّة وعيي وخور عزيمتي لأنّني لم أكافح كفاية حتّى تواصل أخواتي كلّهنّ دراستهنّ ... من قبل كنت ألوم نفسي على تقصير إزاء الأخوات – الصّديقات – الرّفيقات - الحبيبات -  زوجتي ، لأنّي لم أعاملهنّ أحيانا ككاملات لا كمكمّلات ...
واليوم ها أنّني أرى كلّما تحقّق يراد هدمه ودحره وطمره ... وأرى صغيرات في عمر الورد المتفتّح يوأدن بالحياة ، في جلابيب حالكة ، يتصيّدهنّ شيوخ الشّبق في سنّ التّاسعة ، ويراد لهنّ أن يكنّ مجرّد خديمات – متع -  خنوعات ... وأرى عسفا وقهرا وقيودا وخسفا وإيذاء ...
أرى أمّي - خالتك - عمّتك – بناتنا  - أخواتكم – زوجاتنا – رفيقات دربكم يرمين في غياهب الجهل والتّحقير ... أرانا نساق جميعا رعايا بلا إرادة ولا قدر ، أرانا نعصر ونؤكل أحياء ...
أفهل هذا قدرنا نحن من هبّ بناتن
ا وأبناؤنا يسخّرون القدر لإرادتهم ؟
ألا ثوروا وتمرّدن والفظوهم وعاندن الزّمن الماكر ... واستمرّوا .

مقال في ضد الشلطة بتاريخ ٢ فيفري 2013