27 août 2011

ماذا تدبّر لنا يا سي الباجي ؟


رغم أنّ واحدا من أصدقائي العاقلين و المجرّبين، على الأقلّ، يشاطرني ما سأكتبه أسفله، فإنّني أرجو صادقا أن لا يكون لتخميناتي و استنتاجاتي أيّ قدر، مهما ضؤل، من المصداقية... ذلك أنّني أتمنّى لبلدي سيرا واثقا نحو الديمقراطية و نجاحات تخدم جميع فئات الشعب ذات المصلحة في الثورة التي هي في واقع الأمر جميع فئات الشعب لا يستثنى منها إلاّ قلّة من المتمعشين المستكرشين النهّابين الفاسدين على جميع المستويات و منتهكي حقوق الإنسان و الطمّاعين الخنوعين.
 من قراءتي للخطاب الأخير للوزير الأوّل في الحكومة المؤقتة، و من بعض التحليلات و البيانات الصّادرة هنا و هنالك، و من مواقف تمّ التعبير عنها من قبل بعض أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و ما إلى ذلك و خصوصا منهم رئيسها، و من بعض التحركات الميدانية التي شهدها و ما يزال يشهدها الشارع التونسي يبدو لي أنّ قوى بعضها خفيّ و بعضها يجمع بين رئيس الحكومة المؤقتة و رئيس الهيئة العليا و زعامات بعض الأحزاب و المنظّمات المهنيّة و الحقوقية تدبّر للانعراج بالمجلس التأسيسي من مجلس تخوّل له شرعيته المستمدّة من الشعب عبر صناديق الاقتراع أن تكون له صلوحيات :
-تعيين حكومة مؤقتة جديدة و رئيس مؤقّت جديد، و الإشراف على أعمالهما،
-و التشريع،
-و إعداد الدّستور الجديد
-ثمّ أخيرا الإعداد لانتخابات تشريعية و رئاسية،
الإنعراج به إلى مجلس تأسيسي فنيّ لا يتولّى غير مهمّة إعداد دستور جديد.
و هو ما يعني استمرار مسك السلطة بل السلطات من قبل الحكومة المؤقتة الحاليّة، على حالتها أو معدلّة، أي عمليا تحكّم سلطات – بعضها خفيّ، و قد يكون الأقوى و الأكثر تأثيرا- و كلّها مفتقدة لشرعيّة حقّة أو ذات شرعية ضئيلة، في مقدّرات البلد و في المؤسسة الشرعية الوحيدة التي من المفترض و المقدّر و المطلوب أن تؤمّن الانتقال بالبلاد من مرحلة سيادة اختيارات و مؤسسات و منظومات النظام البائد- أصلا و بقايا – إلى مرحلة بناء نظام جديد بديل.
و إذا ما صحّ هذا التخمين فإنّ الأمر سيعني حقيقة لا مجرّد التفاف على الثورة و إحباط لأهدافها و هدرا للطاقات و التضحيات و الوقت بل سرقة موصوفة لمطامح الشعب و أحلامه و نضالاته و إهداء للسلّطة إمّا لأزلام النظام السابق أو لنظام بديل لن يتميّز عن النظام البائد إلاّ ببعض من مسّمياته و صوره و خطاباته.
و إذا ما صح هذا التخمين فإنّه سيترتّب عن الأخذ بما استشفّه- و لا شكّ- خيبة أمل كبرى، و يأس عارم، و غضب هادر، و بالتالي انفجار جديد قد يكون أشدّ رعدا و قصفا و هيجانا و أثرا. ذلك أنّ طموحات شبابنا و انتظاراته لا تزال متأجّجة، و أنّ ما قد يبدو لبعض من المستبدّين بالسلطة على أنّه هدوء و خنوع  و تسليم أو استسلام ليس إلاّ وهما أو سرابا يخفي و راءه بركانا متوثّبا للانفجار و الانسياب و الزحف.
 و لعلّ من أبرز علامات الانفجار الكبير الممكن و شديد الاحتمال و الذي سيعصف أوّل ما سيعصف –في حال وقوعه- بالقوى الخفيّة و الظاهرة التي ذكرها التخمين حتّى و إن  هي تشبّثت بالسلطة بكلّ الوسائل حتى غير القانونية  و العنيفة منها، هذه المظاهرات و الأحداث التي يدعو إليها شبّان و شابّات أغلبهم غير منظّمين في أحزاب و جمعيّات و بعضهم منظّمون لكنهم يحرصون على حدّ أدنى من الاستقلالية و لا ترضيهم كلّ أو جلّ أو بعض خيارات تنظيماتهم.
 و أيّا كانت الإشاعات و الادّعاءات التي تبثّها أجهزة السلطة و بعض من الناطقين الرسميين و التي ترمي لتشويه تحركّات هؤلاء و إظهارها على نقيض حقيقتها و تبرير التعامل معها باللجوء إلى العنف و القهر و القمع ... هذا ما يظهره مثلا التعامل العنيف الذي لاقته المظاهرات السلميّة التي اجتاحت وسط العاصمة و شارع بورقيبة يوم الاثنين 15 أوت، و ما تلاه من تعمية إعلامية و ادعاءات و من تعتيم شمل التحرّكات المماثلة و الموازية التي شهدتها أنحاء و مدن و تجمّعات عديدة من بلادنا.
 و من علامات ما  قد يكون يدبَّر هذا التغاضي- الذي قد يبلغ حدّ التحفيز- عن الفوضى العارمة التي طغت على شوارع مدننا و أنهجها و تواصل نماء شبكات الأنشطة غير المنظّمة و التجارة الموازية العابرة للحدود ( و ليس باتجاه ليبيا فحسب) و البناء الفوضوي، و البلطجة، و عدم التصدّي للتجاوزات و الاعتداءات و الانخرامات الأمنية ...
سيّدي الوزير الأوّل، أحلم بأن تقرؤوا هذا و بأن تكذّبوه و تبيّنوا أنّكم فعلا في خدمة تحوّل ديمقراطي حقيقيّ و بأنّكم لن تعرقلوا مسيرة شعبنا نحو الحرّية و الكرامة و التنمية في أيّ حال من الأحوال.
الصادق بن مهنّي
 
26  أوت 2011

20 août 2011

مواضيع و أسئلة سكت عنها خطاب الوزير الأّول


خطاب الوزير الأوّل الذي ألقاه قبل يومين بقصر المؤتمرات أحيط ببهرج و إخراج أظهراه و كأنّه حدث يتنزّل ضمن حملة إنتخابية .
الحاضرون في القاعة كانوا بالأساس أعضاء الحكومة المؤقتة و الهيئات العاملة إلى جانبها و ممثلو أحزاب عدد كبير منها تعبيرات تجّمعية ... و الوزير الأوّل وقف قبالة الحاضرين على مبعدة منهم ( و في هذا لم يقلد الوزير الأوّل مثله الأعلى بل سلك مسلك المخلوع) يحيط به و يظهر خلفه أعلام كثيرة و حماة . و لم يكن واضحا من كان الوزير الأوّل يستهدفه بخطابه: الحاضرون؟ أم عامّة الطبقة السياسية ؟ أم جزء منها ؟ أم عموم الشعب ؟ كما لم يكن واضحا لماذا لم يتوجّه الوزير الأوّل بخطابه من قصر القصبة التي "حرّرها" و شغلها تأكيدا على رمزيتها ؟ و لماذا لم يقتصر على خطاب منقول تلفزيا و إذاعيا ؟ و لماذا لم يفتح قصر المؤتمرات لحشود تحوّل الخطاب إلى حدث جماهريّ؟ هذا على المستوى الشكليّ و هو هامّ، و على صلة وثيقة بالمضمون – المعلن و المسكوت عنه_ . و من حيث المضمون سجّل أوّلا تأكيد الرّجل على  أنّ حكومته أفضل الحكومات التونسية بعد حكومة الاستقلال الأولى، و تشديده على أنّه لم يكن و ليس في الإمكان أفضل مّما كان و مما يكون منه و من حكومته و من هيئاته بما فيها اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد و الرشوة التي نفخ في أعمالها فضاعف عشرات المرّات من نتائج عملها ( يظهر أنّه خلط بين الملفات التي تمّ درسها و بين الملفّات التي أحملت إلى القضاء) و لم يثر ما طرح تساؤلات حول تركيبتها (المبنية على رئيس معيّن يختار كما يريد و يشتهي و دون معايير مساعديه) و حول طرق تسيير أعمالها ( إستراتجية تلقي الشكاوي أو التفتيش عن الملفات...) و منهجيّة التناول و الأولويات (القطاعات؟ حجم الملّفات؟ مستوى المسؤولية؟ ... إلخ) و كيفية اتخاذ القرار بالنسبة لكلّ ملف (قرار فردي؟ قار لجنة فرعية؟ قرار جماعي؟) و شفافية أعمالها (إعلام العموم بأهم الملّفات، تبرير طرح شكاوي و ملفات من عرضها على القضاء...) و انفتاح جناحيها الواحد على الآخر بما يضمن التناغم و التكامل بينهما. ( الهيئة العامة التي كان من المفترض وفقا لمرسوم الإحداث أن تتولى و ضع توجّهات العمل، و اللجنة الفنيّة) و مدى انفتاحها على وسائل الإعلام و على المجتمع المدني (كيفية اختيار ممثليه في هيئتها العامّة و فقا للمهام الموكولة لهم و بما يجعلهم يمثّلون حقيقة الرأي العام الواسع و المتنّوع، و مناهج حفظها للملّفات و للوثائق التي تصلها أو تتحفّظ عليها (و منها وثائق الرئاسة التي صادرتها و لا أحد –مبدئيا- يملك نسخا منها...) بما يؤمّن ديمومتها  و حسن استخدامها  و عدم تعرضها للتلّف أو العبث ... و بخصوص المطالب السياسية العامة تضمّن الخطاب تبرئة عملية للحكومة بكامل أجهزتها من كلّ ما يمثّل قصورا أو حتّى نقصا في المساءلة و المحاسبة في ما يهمّ الفساد السياسي و المالي و الأخلاقيّ، و تحويلا للملفّات و المسؤولية إلى جهات لم تعد قادرة على التكفّل بها... و يلاحظ هنا أن الخطاب سكت عن مواضيع و مسائل كثيرة منها:
-لماذا تمّ تقزيم الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الانتقال الديمقراطي و لم يسمح لها إن لم يكن بمراقبة العمل التشريعي و الحكومي فبالمساهمة فيه على الأقلّ ؟ خصوصا أنّ الحكومة لا يمكنها أن تزايد على الهيئة العليا من حيث الشرعية .
-لماذا تمّ السكوت عن المطالب الشعبيّة التي جدّدت التعبير عنها المسيرات التي عرفتها مدن و قرى عديدة. و التّي مثّلت الشعارات الأساسية التي رفعتها المسيرة التي  تمّ قمعها بشراسة يوم 15 أوت في شارع  بورقيبة و الأنهج المحيطة به... (و من المعلوم أنّه سعى بطرق متعدّدة إلى تشويه هذه المسيرة و الادّعاء على منّظميها رغم أنّها كانت سلمية و رغم انّ المشاركين فيها كانوا متنوّعي المشارب لكن جمعتهم مطالب تحقيق أهداف الثورة و خصوصا إسقاط النظام القديم و محاسبة رموزه من الفاسدين و الوفاء للشهداء بمحاكمة المسؤولين عن تقتيلهم و تطهير القضاء... و خلافا لما يروّج له لم ينادوا بتاتا بتأخير انتخابات المجلس التأسيسي أو التخلي عنها ...
-لماذا لم يتحدّث الخطاب إلى الشباب الذي اعترف له بأنّه وقود الثورة  و الفاعل الأساسي فيها بما يطمئنه و يهدّئه... و لماذا لم يعلن عن آلية تؤسّس للاستماع إليه هو أيضا –بل هو قبلا- و لمحاورته و لتشريكه؟
-لماذا لم يشر الخطاب إلى مثيري الشغب في الجهات ممّن كشفتهم أفعالهم و تحدّثت عليهم وسائل الإعلام و فضحتهم الناس و لم يعد يالتصدّي لهم فعلا و حقيقة حفاظا على هيبة الدولة و سلامة المواطنين ؟
-لماذا لم يتناول بالدّحض أو بالتأكيد تكاثر المال السياسي و المال الفاسد و لم يدع إلى وضع ميثاق أخلاقيّ و قانوني للتعامل معه؟ و لماذا لم يشرح للعموم ظاهرة الفقاقيع الحزبية المتزايدة و هذه الحملات الانتخابية السابقة لأوانها و المسخّرة لإمكانيات أقلّ ما يمكن فيها أنها مجلبة للشكّ ؟ و عندما تحدّث الوزير الأوّل عن موعد الانتخابات لماذا عمد إلى إثارة الشكّ بخصوصه أو بخصوص صلاحيات المجلس التأسيسيّ عندما أشار إلى إمكانية مواصلة الحكومة المؤقتّة لعملها بعد 23 أكتوبر ؟ بل لماذا  لم يعمد الوزير الأوّل في هذا الصدّد إلى التبسّط في شرح المسألة بما يبيّن و يبرّر إمكانية المحافظة على الحكومة المؤقتة ذاتها حتّى بعد انتصاب المجلس التأسي إمّا بالإقرار المسبق  بتفريغه لموضوع إعداد الدستور دون سواه (بناء على أيّ وفاق أو توافق؟ و كيف؟) أو بطلب منه (من يلزمه به؟ و كيف؟) ... فالمنصت إلى الخطاب يخيّل إليه أنّ أمرا ما يدبّر في الصّدد (من قبل من؟ و كيف؟ و لأيّة غايات؟ وحديث المختصّ في القانون الدستوري عضو لجنة الخبراء بالهيئة العليا أمين محفوظ إلى جريدة الصباح ليوم السبت 20 أوت المعنون ب" مجلس تأسيسي فنّي و حكومة و حدة وطنية لادارة المرحلة القادمة" يزيد في الميل إلى استشفاف أمر ما. فهل يمكن أن نعلم بشفافية أفضل؟ و هل يمكن أن نتوقّع توضيحات و تفسيرات تحدّ من التأويلات و التخمينات، و تساعد على السيطرة على احتقان الشارع الذي بدأ يتفاقم، و على التحكّم في أفعال القوى الخفيّة، و ادّعاءات المغرضين الدافعين باتجاه التصادم و العودة إلى القمع الممنهج .
الصادق بن مهنّي 20 أوت 2011

11 août 2011

لو كنت الوزير الأول في الحكومة المؤقتة لحرصت على أن أحافظ على ما تبقى من ماء الوجه و ...

عندما عيّن السيد الباجي القايد السبسي و زيرا أوّلا في الحكومة المؤقّتة أفلح في أن يستميل قطاعات واسعة من الشعب ، بل و خيّل لكثيرين  أنّه "الرجل المناسب للموقع المناسب" اعتبارا لخبرته، و لسنّه الذي يحول بينه و بين أن يطمع في مزيد جاه أو مال أو نفوذ ... و خلال الأيّام الأولى لحكمه هدأ شباب كثيرون و مرح البعض انقيادا لروحه المرحة، و أعجب معجبون بطريقته في الكلام و "ضماره"...
غير أنّ الرجل سرعان ما بادر إلى التكشير عن "بورقيبيته" : بدأ يستعرض عضلاته ... و اتّخذ "هيبة الدولة" همّا أوّلا له ... ثمّ استحضر بورقيبة هيئة و خطابا و إشارات بل و لم يتردّد ، هو و من عاضده في ذلك، حتّى في أن يحاولوا تحويل الثورة إلى مجرّد ثأر لبورقيبة و البورقيبية ... و على شاكلة مرجعه الأوّل و الأخير انطلق يهدّد و يتوعّد ، و يذكّر بمناسبة و بدون مناسبة أنّه يحكم بمفرده و أن لا أحد يشاركه صنع القرار ... و تعملق و استأسد و لم يتورّع حتّى عن استعمال العبارات السوقيّة حتى في محضر الهيئة التي سبقته إلى سدّة السلطة و التي أريد لها أن تمثّل الشعب و تحمي حقوقه في إنفاذ ثورته و انتقاله الديمقراطي و إصلاحاته السياسية ... و سيرا على خطى المستبدّين جميعا و المستبدّ الذي هو مثله الأعلى تحامل على الإعلام الحابي شتما و استحقارا و تهجّما و اعتداء ... و رغم كلّ  ذلك لم يفقد السيّد الباجي قايد السبسي كلّ وهجه، بل حافظ على شيء من ألقه رغم الصدإ المتسارع ... و ظلّ قسم كبير من الرأي العام يرى فيه الرجل المناسب للبلوغ بالبلاد إلى مجلسها التأسيسيّ الموعود ...   غير أنّ انكفاء حسّ الرجل و انحسار حرصه على هيبة الدّولة عند حدّ إطلاق الغازات و الهراوات و الكلبشات على المسيرات و الاعتصامات التي تتقدّمها الورود و القبلات و الأهازيج السلميّة، و إطلاق أيدي خفافيش الظلام ليعيّنوا من يريدونه في مفاصل الإدارة و هياكل اقتصادية و سياسية محورية، و حدّ التذرّع باستقلالية السلطات لترك القضاء يعمل و فق آلياته و خياراته و ممارساته الموروثة، و حدّ التعلّل بالتمسّك بمبادئ حقوق الإنسان لفسح المجال أمام فاسدين لا شكّ في فسادهم –السياسي و / أو المالي و/ أو الاجتماعي و / أو الأخلاقي-   و ليستمرّوا طلقاء، و لرفض تفكيك المنظومات التّي ركزّها الفاسدون النهّابون الخونة... و مضى الرجل يتدحرج على منزلق التسلّط و الاستهتار بمطالب عامّة النّاس و الاستخفاف بمواقف و أراء الهيئات التي لا تزيد شرعيته على شرعيتها و صمّ أذنيه عن مناشدات أهالي الشهداء و الضحايا، و نداءات المجتمع المدني و نصائح أحرار البلد... فسكت عن القوى الخفيّة التي أشار إليها أكثر من مرّة و التي تعمل جاهدة على تخريب البلاد و نسيجها الاجتماعي... و لم يمتنع عن تخويف الناس و تهديدهم بالويل و الثبور بإطلاق فزّاعات التدهور الاقتصادي و تهويل المخاطر الأمنية
و أخيرا ها أّنّنا نراه يرأس حكومة:
-لا تحكم حقيقة، و لا يرأسها حقيقة ، ولا تصبّ جهدها باتجاه تصريف الأمور الذي هو دورها .
-لا تشتغل وفق مبدإ التضامن و التآزر و التناغم بل تتناحر و تتبادل الاتّهامات، و تعمل عناصرها كلّ وفق هواه.
-لا تحقّق للشعب مطالبه، و لا تصغي لصرخاته، و لا تعمل على تهدئته إلاّ بمسكّنات المغالطة  و الخداع التي ثبت فشلها.
-لا تسيطر على مفاصل القرار الأمنيّ و العدليّ و الاقتصاديّ و لم ترس لمرحلة حكمها خطّة تضمن تحقيق و لو حدّ أدنى من أغراض الثورة و إنجاح التحوّل نحو الديمقراطية ، بل تركت الحبل على الغارب للفاسدين ليلتحقوا ب"زميمهم" و للمارقين كي لا يحاسبوا، و لم تمدّ يدها للهيئات الاستثنائية التي أحدثت بدعوى التقصّي و المساءلة و المحاسبة فحال الصّد و الاستئساد بين إحداها و بين إتمام أعمالها، و شلّ الانفراد بالرأي و القرار و العمى الإستراتيجي و انعدام الحسّ المنهجيّ واحدة أخرى منها حتّى حادت –أو كادت- عن أهدافها و رميت بأنّها تسعى إلى وأدها:
-لم تعمل شيئا لتبوّء الشباب مكانة تناسب قدره وعدده و حرمانه و نضالاته و انتظاراته.
 و ها أنّنا نراه :
- يتخلّى عن عرينه بالقصبة – التي يصرّ إلحاحا و هراوات  على الاستئثار بها دون أبناء الوطن الذين لا يشاطرونه الرأي- ليؤوي مسرحيات هزليّة لا محلّ لها تؤجّج التضاد بين أجنحة حكومته، و تستصغر تضحيات الشّعب، و تستهتر حقيقة بهيبة الدّولة.
-لا يحرّك ساكنا حتّى تنشط حقيقة عمليات مسائلة و محاسبة رموز العهد البائد و الفاسدين و من أجرموا في حقّ الوطن بتعطيل فعله التنمويّ، و نهب مقدّراته، تكميم أفواه أبنائه و تقييد جميع الفاعلين فيه أيّا كان موقعهم في عملية الإنتاج و التطوير.
- لا يطلّ على الناس إلاّ ليزيد حيرتهم حيرة و أساهم أسى و إحباطهم إحباطا حتّى لكأّنّ همّه أصبح غلق أبواب الأمل أمامهم و سدّ كلّ منافذ التطّلع إلى أفق بهيّ... و في المقابل هو يصمت عن الأسئلة الحارقة و يغضّ الطرف عن كثير ممّا يستوجب التمعّن فيه... و كأنّ الحفاظ على هيبة الدولة لا يعني قبلا و خصوصا حماية الدّولة من تطاول المارقين و فرعنة قوى الظلام، و ديمومة الفساد و استشراء المضاربة بقوت الشعب، و تواصل الاستكراش و مخاتلة الفاسدين في الإدارة و اجهزة الدّولة...
-لا يتصرّف بما يبيّن عدم صحة ما يقال عن ابتزاز القرار من قبل جهات داخلية و خارجية يكتنف الغموض ملامحها.
 و في ما هو مفصل أعلاه ما يفسّر علامات اندثار الهالة التي أحيط بها السيد الباجي قائد السبسي أيّام تنصيبه الأولى و بدء تعالي أصوات تنادي بإزاحته...
و لأّنّني تربّيت على احترام الأكبر سنّا، أجدني أقول للسيد الباجي قايد السبسي: " لو كنت مكانك لاخترت بين أمرين: أن أطلع على الناس فأصارحهم و أكاشفهم بما يشبه عمل السيد فرحات الراجحي أو بما يشبه ما فعله السيد محمد الغنوشي و هو يغادر أو أن انسحب –ومن معي أو وحدي- و لو على أطراف الأصابع".
الصادق بن مهنّي
10 أوت 2011

10 août 2011

نص أعجبني كتبه الدكتور الأمين ذويب في جريدة الجزيرة

لا تخافوا على الثّورة، فهي بخير ما دمتم بعيدين عنها
 قبل بضعة أشهر، كانت لنا رئيسة تحكم تونس مع إخوتها عن طريق زوجها الرّئيس.
كان لنا حزب واحد يتحكّم في كلّ دواليب الدّولة، وينضمّ إليه تسعون في المائة من أفراد الشّعب الّذين لم يدخلوا إلى السّجون.
كانت لنا نشرة أخبار يعيدونها كلّ يوم كنسخة مطابقة للأصل، وتتحدّث عن الخير الكبير الّذي يعمّ تونس بفضل صانع التّغيير.
كانت كلمة «لا» تسبّب لصا

حبها كلّ البلاء.
كانوا يسرقون وينهبون وأفراد شعبنا من «القفّافة» و»البنادريّة» يصفّقون لهم... وما أكثرهم في وطني!!
واليوم...
لنا «رئيس» و«رئيس وزراء» يقفان أمام القضاء إذا تطلّب الأمر، ويُحاسبان حسابا عسيرا.
أضحى لدينا شيء اسمه «قضاء مستقلّ»، ويستقلّ كلّ يوم أكثر.
أصبح لنا وزراء يسبحون في البحر أمام النّاس ليثبتوا نقاءه من الموادّ السّامّة، ويدفعون ثمن قهوتهم، ونسخر منهم في الجرائد وبرامج الإذاعة والتّلفزة، ونتنافس في السّخرية منهم وعليهم.
أضحى لدينا مائة حزب وألف جمعيّة مدنيّة.
أصبحنا نشاهد نشرات الأخبار التونسيّة!!!
كلمة «لا» أصبحنا نتنفّسها كما نتنفّس الهواء.
وبعد كلّ ذلك... يطلّ علينا بعضهم ليقولوا لنا بأنّ الثّورة لا تعدو أن تكون «وهما» وخدعة سياسيّة، وبأنّ الشّعب التّونسيّ مازال لم يكسب شيئا من المكاسب، وبأنّ الثّورة «الحقيقيّة» لم تتحقّق بعد!!
وبعد كلّ ذلك... نفس هؤلاء النّاس مازالوا يعتصمون ويضربون عن العمل، ويحتجّون ويتخاصمون، ويسبّون ويلعنون، ويشتكون إلى القضاء... ثمّ يخالفون القانون ولا يدفعون الضّرائب!!... ويطردون مديري المؤسّسات لأسباب شخصيّة.
وأغلب هؤلاء هم من «بنادريّة» و«قفّافة» الماضي الّذين استحالوا في يوم وليلة إلى أبطال يقولون بأنّهم يقومون بحماية الثّورة.
أقول لقفّافة الماضي: الثّورة لا تحتاج إلى حمايتكم لأنّكم ببساطة لم تقوموا بها، ولأنّ ألاعيبكم مكشوفة وخططكم الغبيّة أضحت عارية أمام الجميع... اتركوا الثّورة لأهلها، أو انضمّوا إلى الأغلبيّة الّتي تعمل في صمت إلى أن يحين أوان القبر... ولا تخافوا على الثّورة، فهي بخير ما دمتم بعيدين عنها.

فقط، اتركونا بسلام!
حقوقكم محفوظة.
كلّ حقوقكم بلا استثناء.
من حقّكم أن تحافظوا على كلّ وصايا السّلف الصّالح،
أن تطبّقوا كلّ تعاليم شيوخكم الذّين يخاطبونكم من الفضاء،
أن تجهروا بمذاهبهم المتسلّلة إلى مجتمعنا عبر قنواتهم الفضائيّة،
من حقّكم أن تطيلوا اللّحية وأن تضعوا الأخمرة على نسائكم،
أن تقضّوا كل وقتكم الضّائع في الصّلوات النّافلة وأن تهبوا كل طاقتكم الثّمينة للصّيام،
حقوقكم «العظيمة» كلّها محفوظة.
من حقّكم أن تهبوا حياتكم للآخرة، وأن تفعلوا بأنفسكم ما تريدون.
فقط، اتركونا بسلام!
اتركونا نعيش الدّنيا الّتي لن نعيش فيها إلاّ مرّة واحدة.
اتركونا نستمتع بحياتنا... بفنوننا... بكتبنا وأفلامنا ومسرحيّاتنا ورسومنا...
اتركونا نصنع «الحضارة» الّتي لن يصنعها إلاّ أمثالنا... مثلما لم يصنع حضارة أجدادنا إلاّ أمثال «ابن رشد» و»ابن سينا» و»المعرّي» و»الجاحظ» و»ابن زيدون».
انقدونا فيما بينكم... انتقدونا إن أردتم...
تهامسوا بينكم أنّنا حطب جهنّم.
تهامسوا كما تريدون.
فقط، اتركونا بسلام!
وابعدوا ألسنتكم وأياديكم عنّا... وابعدوا عنّا سيوفكم... وبنادقكم... وأحزمتكم النّاسفة.
ولا تحزنوا... هناك طرق أخرى، غير الأحزمة النّاسفة، تستطيعون بها أن تصلوا إلى حوريّات الجنّة السّبعين.
اتركونا نعيش الحياة لنصنع الحياة.
واصنعوا آخرتكم كما تريدون.

فقط، اتركونا بسلام!

لا للإحباط

-ماذا تقول بشأن تمكين السيدة العقربي من مغادرة البلاد، وإطلاق سراح الوزير البشير التكاري؟ ثمّ ألا ترى مثلي بعض نقاط استفهام تتراقص أمام ناظريك بخصوص المحاكمات التي تجري والحرص الظاهر على عدم فتح بعض الملفّات حتّى لا تطال المساءلة بعض الرؤوس؟ 
________________________________________

لم تفاجئني هذه الأحداث أو الأفعال , و إنّني لسعيد  لأنّ عمليات التهريب و الهروب و التّخفي و خصوصا مناورات النّهّابين و السرّاق و الفاسدين و ألاعيبهم ظلّت –لحد الآن محدودة ، و تصدّى لها المجتمع و إن بعناء . ذلك أنّه من الطبيعي أن يسعى من انتفعوا من نظام القهر و غنموا من آليات الفساد إلى الحفاظ على أكثر ما يمكن من الأجهزة و الآليات و الممارسات التي بنوها على امتداد أكثر من نصف قرن . و أن يلجؤوا في سعيهم ذلك إلى كلّ أنواع الدّهاء و الخبث و أن لا يتردّدوا في استخدام كل الأسلحة و المناورات . كما أن ما نكتشفه كل يوم من تشرّش منظومات الفساد عميقا في  كلّ جهات البلاد و أنحائها و في كلّ قطاعات الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية يدعونا إلى الاعتقاد أنّ اقتلاع جذور الفساد سيتطلب وقتا طويلا و جهودا مضنية .
ثمّ إنّ الثورة – يا صديقي . لم تكد تنطلق ... صحيح أنّ رأس النظام قد خلع و أن جهازه الأوّل (التجمّع الدستوري الديمقراطي) قد حلّ... و صحيح أنّ أشياء كثيرة قد تغيّرت... لكنّ جوهر النظام السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي ما يزال جاثما على البلاد ... ثمّ إنّ السلطة المتهاوية لم تعّوضها بعد سلطة بديلة ديمقراطية... كما أنّنا لم نفلح في رسم خطط واضحة و فعّالة لإنجاح مرحلة الانتقال الديمقراطي... لقد تمّ إسقاط السلطة التشريعية لكنّ السلطة القضائية ظلّت على حالها و تسير وفق مناهج التسيير الفاشلة ذاتها.كما ظلّت السلطة التنفيذية في أساسها في يد متنفّذين قدامى لا مصالح لهم في انتقال حقيقيّ، بل أن منهم من عمل و ما يزال يعمل على تحويل المسار من ثورة شعبية واسعة إلى فعل ثأر و انتقام لبورقيبة ... و الجماهير الشعبية فاجأها نجاحها و أسكرتها سرعة الأحداث ، و ترنّحت تحرّكاتها جرّاء غياب قيادات حقّة... و المعارضة لم تجد سبيلا لتتجاوز نفسها ... و القوى المتشبثة بتلابيب السّلف وجدت تربة خصبة لتترعرع وسقاة أسخياء ... انظر-صديقي- نحن لم نركّز عدالة انتقالية فعّالة ، بل إنّنا لم نركّز عدالة انتقالية بالمرّة ... و حتى ما تم تركيزه من لجان فهي قد بنيت وفق نمط جعلها تولد معوقة ، و محرومة من وسائل الفعل و النجاعة بل و حتّى مسخرّة لكسر أغراضها المعلنة ...
معك حقّ لا شيء يدلّ على أنّ السلطة القضائية و السلطات التنفيذية المؤقتة ، و بعضا من الأحهزة الأمنية ، و لجنة التقصي ترغب حقيقة في المساءلة و المحاسبة و تفكيك الملّفات و المنظومات ... و المحاكمات التي تجري هي بالمهازل أشبه.لكن لا تنسى يا صديقي أنّ مسار الثورة لا يمكن أن يكون خطيّا و أنّ دربها لا يمكن أن يكون هيّنا ... مسار الثورة مدّ و جزر ، و جزر و مدّ ... مسار الثورة صراع و غلبة و خيبات ... مسار الثورة انكسارات و تضحيات و خسائر ثمّ انتصارات ...
ما جرى و ما يجري لا يدفع إلى اليأس و القنوط ... ففيه تأكيد على أنّنا بدأنا نعيش ثورة حقيقيّة، و أنّ تحوّل بلادنا نحو الديمقراطية ممكن و متاح . لو سارت الأمور بصفة هينة لكان علينا أن نتوجّس خيفة و أن نخشى من تكرار ما حدث في 1987 ... ثمّ إنّ في سرعة ردّ الجمهور و بعض من نخب ... و في سرعة انتشارالمعلومة ، و في مسارعة الشباب إلى الشارع لخير ضمان للمواجهة و للمضيّ قدما ...
هروب سيئة الذكر، و عدم متابعة فاسدين لا عدّ لهم، و الخزعبلات القضائية، و تواصل القمع، كلّ هذه هي عوامل تذكي الرغبة في التصدّي، و تبرهن على هلع النهّابين و الجلاّدين و الفاسدين جميعا . و نكتشف أنهم أشباه قزمة من ذلك الذي ألّهوه و أظهرت الأيّام أنه ليس إلاّ بعبعا نفخ فيه وجبان لا أنف له .
صديقي، أنا متفائل... ما زال أمامنا أشواك و معاناة و حتّى بذل دماء ... ولكنّ التحوّل نحو الديمقراطية قد بدأ ... و هؤلاء الشباب و الشابات الذين و اللاتي أعادوا إلينا البسمة و النخوة لن توقفهم المخاذلات و الخيانات و المناورات ... بلادنا ماضية نحو النور و ستخرج دون شكّ من الحلكة ... و هؤلاء الذين يشاركون كلّ بما يستطيع في المخاتلات و الخيانات و المناورات و القذارة أيّا كان موقعهم سينكشفون الواحد بعد الآخر و سيساءلون و يحاسبون و لن يكون لهم من مهرب إلاّ ربّما مهرب القلب الواسع الذي يطبع أهلنا الذين قد يسامحون  و يغفرون و يصفحون و يتجاوزون لكن ليس إلاّ بعد أن يسائلوا و يحاسبوا و يعاقبوا و تشنّف آذانهم  شواهد الاستغفار و طلبات المغفرة و عبارات الندم و المسكنة .

تونس في 9 أوت 2011

31 juil. 2011

خواطر حول الوضع الرّاهن

تقتضي المرحلة الانتقاليّة التي تعيشها بلادنا، إن نحن أردناها أن تكون حقيقة تحوّلا يبني الديمقراطيّة، أن يبادر جميع المعنيين ـ على تنوّعهم: فئات اجتماعيّة وأطيافا فكريّة وسياسيّة، ومن حيث جهاتهم والقطاعات التي ينشطون ضمنها ـ بالدّفع المتواصل باتّجاه تحقيق الأغراض الأساسيّة التي كانت سببا في اندلاع الثورة، وخصوصا منها أغراض سيادة الحريات الجماعيّة والفرديّة، والعدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
ويعني ذلك الدّفع نحو بناء دولة جديدة تكرّس فصل السلطات التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة بما يكفل استقلاليّة كلّ منها مع تناغمها في خدمة المصلحة العامّة، أي مصلحة المواطنين عمومهم، وليس مصلحة السلطان وحاشيته وخدّامه.
كما يعني ذلك الدّفع باتّجاه مساءلة ومحاسبة جميع المسؤولين عن تعطيل التنمية في بلادنا بنهب مقدّرات الشّعب وثرواته وتراثه وببثّ الفساد في جميع الأنشطة والقطاعات ومختلف أوجه الحياة... وتعني المساءلة والمحاسبة تفكيك المنظومات والشبكات وفضح الفاسدين ـ أيّا كان دورهم ـ واعترافهم، واسترداد ما يتسنّى استرداده ممّا نهبوه، واعتذارهم للوطن، وانسحابهم من المشهد العام ولو لحين... وهو ما يفتح الباب أمام مسامحتهم... وينطبق التمشّي ذاته على من أفسدوا سياسيّا ضمن المؤسّسات المسمّاة تشريعيّة وقضائيّة وفي الإدارة، وعلى من قتلوا أو جرحوا أو عذّبوا أو حبسوا تجبّرا وظلما...
ويهمّ الدّفع والضغط اللّذان لا بدّ أن يمارسهما أحرار شعبنا ـ أيّا كان موقعهم ـ رفض قرارات الردّة والالتفاف، والانتباه إلى المخاتلات، والتصدّي لتسرّب الفاسدين إلى مواقع القرار والإدارة والتصرّف، والسّعي إلى البدء في إعادة بناء مؤسّسات الدّولة انطلاقا من قاعدة الهرم وليس ابتداء من قمّته... وهو ما يعني تعزيز الحكم المحلّي بافتكاك المتساكنين لحقّهم في أداء واجبهم المتعلّق بتدبير أمور قراهم وتجمّعاتهم الحضريّة، فجهاتهم، ثمّ أن تكون التعبيرات المؤدّية للسلطتيْن التشريعيّة والتنفيذيّة نابعة عنهم حقّا، وتمثّلهم وتخدم مصالح جميعهم...
وعليه فإنّه من الواجب واللاّزم والمفيد:
ـ أن نحيّي جميع العاملين والعاملات الذين تمسّكوا ـ طواعية وتلقائيا ودون أن يطلب منهم أحد ذلك ـ بمواقع خدمتهم في المدارس والمستشفيات والمؤسّسات السّاهرة على التزويد بالخبز والماء والكهرباء والوقود والنّقل ومختلف متطلّبات الحياة العادية من فلاحة وصناعة.. وهوما أمّن لبلدنا ومواطنينا بل ولضيوفنا الكثر الذين وفدوا إلينا اضطرارا، مستلزمات العيش العادي...
ـ أن نشيد بعموم الأهالي وفي طليعتهم الشابات والشبّان الذين هبّوا  في كلّ الجهات والأنحاء ليحموا بلدهم وليصدّوا أذيال الفساد والطغيان، وليفرضوا على الحكومات المؤقّتة والإدارة التخلّي عن قرارات لا تخدم مطامحهم واتّخاذ إجراءات تستجيب ـ ولو بقدر ـ لتطلّعاتهم، والذين تظاهروا واعتصموا، وما يزالون يتظاهرون ويعتصمون، ويكتبون ويهتفون، ويحتجّون، ويقترحون... ويضحّون،
ـ أن نسند جميع من بذلوا ويبذلون جهدا لتحريك ملفّات استقلاليّة القضاء، وحريّة التعبير، والشفافية، سواء كانوا أفرادا أم جماعات، أم هيئات وهياكل،
ـ أن ندعم المتطوّعات والمتطوّعين الذين وهبوا وقتهم وطاقاتهم ليتوزّعوا على الجهات بمدنها وأريافها ليرعوا المرضى والمحتاجين ويصلحوا المدارس والمرافق، وليفسّروا معنى المواطنة ويقنعوا بواجب الانتخاب،
ـ أن ننحني إجلالا للمرأة التونسيّة بجميع أصنافها الاجتماعيّة والمهنيّة، لصمودها درعا واقيا ضدّ الظلاميّة والتطرّف والاعتداء على الذّات البشريّة ولوقوفها ضدّ البهتان ولصبرها على تحمّل الأذى الذي لم ينفكّ يطالها فعلا وقولا وسعيا حثيثا إلى تغيير القوانين بما يمنع تحقيقها لإنسانيتها الكاملة وتحليقها بنا نحو غد أجمل وأبهى وأكثر ألوانا...

ولأنّ عمليّة الانتقال باتّجاه الديمقراطيّة ليست عمليّة لا يسيرة ولا مستقيمة ولا مستمرّة بذاتها، بل عمليّة عويصة وعسيرة وفيها مدّ وجزر، ولأنّ المتربّصين بمطامح شعبنا كثر، وثعالب، وفي جعابهم أسهم بل أسلحة كثيرة، فإنّه من واجبنا أن نتحلّى جميعا بالثّبات واليقظة وروح المداومة، وأن نتمترس مثلما يتمترسون، ونخطّط مثلما يخطّطون، ونحرن كما يحرنون، وأن نوصد أبواب الإحباط والقنوط نتمسّك بخيوط الأمل وأشعّة الفلاح فنقاوم، ونقاوم، ونقاوم...
وعلينا أن نكابد ونمضي قدما بتضحياتنا، ونصون حقّنا في مواطنة حقّة وكاملة ودائمة، ونحرص على أن نعطي ونؤدّي الواجب، ونحبّ النّاس جميعا لكن دون خنوع أو خضوع أو استسلام، وأن لا نخشى على غدنا من يومنا، وأن نبدأ بصنع أجنحتنا والتحليق عاليا نحو الشّمس منذ الآن وهنا...
هذه بعض الخواطر ملأت كياني، وأنا أتجوّل بين معتصمي المصير، ثمّ وأنا أعيش عسف المتزمّتين وأذاهم الذي ذهب ببصري لحوالي 20 دقيقة، ثمّ وأنا أطّلع على بهتان المستبدّين الجدد الذين يمزجون في خطاباتهم بين ادّعاء الديمقراطيّة والتفتّح ورفض العنف، وبين كلّ ما هو تقدّمي وإنسانيّ، ويسوّون بين الذّبيحة وجزّارها ويسرقون السّماء لينفردوا بالنّاس يملون عليهم شريعتهم ويسلّطون عليهم عقدهم هم باسمها...
هذه بعض خواطر رأيت أن أتقاسمها مع قرّائي علّها تحرّك سواكنهم وتشدّهم من أيديهم برفق إلى حيث يسهمون هم أيضا أو يزيدون من إسهامهم في حماية أمننا ومكاسبنا كشعب حرّ وحداثيّ، يضرب بجذوره عميقا في الحضارة، ويتطلّع بهامته التي لن تنحني أبدا نحو مبادئ وقيم هي مبادئ وقيم الإنسانيّة الحقّة بما تعنيه من حريّة وكرامة وعدل ومساواة وإباء.
24 جوان و7 جويلية 2011

2 juil. 2011

Quelques reflexions à propos de l'agression contre l'AfricArt

 Hier la salle de cinéma l'Afric'Art a été attaquée par des individus qui se disent défenseurs de l'Islam - je ne peux même plus utiliser le mot islamiste comme certains Tunisiens ne font pas la différence entre islamiste et musulman. Des personnes qui sont venues soutenir nos artistes tunisiens et défendre la liberté d'expression ont été sauvagement agressées. Mes parents y étaient, mon père a été agressé avec du gaz, avec  Mr Habib Bel Hedi, ils essayaient d’empêcher ces brutes d'entrer dans la salle.  Le texte qui suit est un ensemble de réflexions qu'il a écrit suite à cet incident:


Il faudrait à mon avis analyser l'agression qu'a subi AfricArt aujourd'hui avec beaucoup de calme mais aussi avec beaucoup de lucidité.Et dans plusieurs directions.Pour commencer à y contribuer je formule les interrogations suivantes:
-Qui sont les agresseurs?qui les mobilise?qui les organise?(car ils étaient bien organisés)Représentent-ils vraiment juste une toute petite minorité?Existe-t-il parmi eux des gens qui ont participé aux tentatives de perturbation perpétrées lors d'autres événements(manif pour la laicité,manif pour les droits des femmes)?
-pourquoi la réaction de la police s'est-elle caractérisée par sa timidité (présence de deux agents en civil qui ont certes essayé de faire de leur mieux pour contenir les agressions parle dialogue mais qui ont fini par être débordés et par se retirer)puis par son retard(l'intervention n'a eu lieu qu'une fois les agresseurs ayant brisé les portes,violenté des présents,utilisé du gaz,terrorisé les spectateurs jusque dans la salle) et par un certain degré d'inefficacité(puisque seuls 4 à 8 assaillants ont été arrêtés)alors qu'on était en plein carré de sécurité et que dans toutes les rues et ruelles environnantes il y avait une présence policière assez importante et alors que le show des agresseurs a duré assez longtemps et a fait beaucoup de bruit?
-Les participants à l’événement(organisateurs,gérants de la salle et spectateurs)auraient-ils mieux fait d'assurer à leur action plus de sécurité auto-organisée pour contenir les assaillants et remplir le vide qui n'était qu'évident?

Pour que ces interrogations soient plus claires j'ajouterai les précisions suivantes:
-les assaillants se distinguaient par leur accoutrement et se baladaient armés de gourdins,de gaz et, selon leur dires,de couteaux ,mais ils avaient aussi des caméras et des appareils photos que certains d'entre eux ne cessaient d'utiliser.Ils chantaient bien leurs chansons.Ils étaient jeunes pour la plupart mais il n'y en avait qui étaient moins jeunes.Une jeune fille a joué les éclaireurs et une autre a été particulièrement agressive.Il y avait derrière une femme (mais est-ce sûr?) en niquab .Des menaces accompagnées de gestes ont été proférées contre l’équipe de sécurité de la salle tout d'abord puis contre d'autres personnes.le verbe "égorger" a été généreusement utilisé.
-les organisateurs,des spectateurs et même des passants ont longuement et patiemment tenté de raisonner les assaillants.Une passante-une dame voilée d'un certain âge s'est particulièrement distinguée en la matière.
-aucune réaction violente n'a été constatée de la part des agressés.Même Habib Belhadi sauvagement mis par terre,piétiné,roué de coups (de poing, de pieds,de barres en aluminium) et gazé n'a fait que se protéger.Je lui fait ici mes excuses pour n'avoir pu lui assurer le secours nécessaire.
- la salle a été vraiment merveilleuse,brave et lucide.Les gens qui sont venus de toute part dès qu'ils ont été informés de l'agression l'ont été aussi.Je les salue tous mais je salue en particulir nos tunisiennes qui ne cessent de nous surprendre et qui sont notre rempart contre la régression et l'obscurantisme.

Mes propos ci-dessus s'adressent à tout le monde et en particulier :
-aux progressistes de tout bord fiers d'être tunisiens et heureux de pouvoir enfin se battre pour leur liberté de citoyens à part entière,
-aus forces de l'ordre avec lesquels on a défilé pour un nouveau statut et de nouveaux principes et qui ont juré qu'ils seront à tout jamais au service de leur peuple
-aux journalistes,communicateurs et aux partis politiques qui devraient se prononcer de façon nette et précise sur les questions de la violence politique, de l'agression perpétrée sur des artistes,poètes et gens du peuple sous couvert de religion
-au gouvernement qui devrait s'atteler à mettre fin à la violence d'où qu'elle vienne

Mais par ce que j'ai écrit ci-dessus je m'adresse surtout à notre jeunesse qui saura,je n'en doute point,comment s'en sortir et comment mener la transition démocratique à bon port.
A la fin j'avoue que cette après-midi j'ai beaucoup eu les larmes aux yeux et que ma gorge était nouée.Pas à cause du gaz que j'ai reçu en plein visage.Mais du fait de l'émotion qui m'a envahi l'âme en constatant la solidarité,la détermination et le courage des présents.Et parce qu'encore une fois je me suis senti responsable de ne pas avoir suffisamment fait pour les générations actuelles et futures.


N'ayons pas peur , allons dans les cinémas, théâtres, salles de concert régulièrement ... Ne laissons pas tomber nos droits ... Mobilisons nous .

الأسئلة التي وجّهتها لي هناء الطرابلسي و أجوبتي خاما قبل صياغتها كما نشرت على جريدة "الأولى" يوم السبت 2 جويلية

1-    كنت ضمن الحضور الذي شاهد الفيلم، فهل ترى فيه "مسّا مقصودا وموظفا من الإسلام والمسلمين" كما إدعى المعتدون ومناصريهم؟
1/ حرمني المعتدون من مشاهدة الفيلم ومن أن أعيش فعاليات الحدث الثقافي الأخرى ولم أستمتع إلا بواحدة من أغنيات آمال الحمروني ومجموعتها. فلقد فقدت الإبصار لدقائق طويلة بفعل المادّة التي تم رشّها على وجهي لمجرّد أنّني سارعت لمساعدة الصديق الحبيب بلهادي الذي كان واقعا على الأرض تتهاطل عليه الركلات والضربات بالهراوات والقضبان. كما أنّني اضطررت إلى التحوّل إلى الاستعجالي.
لكن بقيّة أفراد عائلتي الذين حضروا العرض- ومنهم حاجة متلحّفة- قد أكّدوا لي أنّ الفيلم وثائقي وتابع –رمضان 2010، أي منذ عام وقبل الثورة- كيفية تعامل فئات شعبية مختلفة مع الدين وممارستهم أو عدم ممارستهم لشعائره. ولم يشعر أحبّتي هؤلاء بأن في الفيلم مسّ بالدين...


2-    لاحظنا علامات التأثر البالغ عليك رغم تعرضك خلال مسيرتك النضالية الطويلة لمثل هذه الممارسات العنيفة، فكيف تفسر ردة فعلك؟
/ التأثّر الذي لاحظمتوه عليّ نابع من أعماق وجداني. لكنّه لم يكن نتاج الألم المادي الذي أحسسته ونتاج شراسة الاعتداء. تأثّري كان وليد عوامل أخرى أهمّها :
-         ابتهاجي وفخري بصمود غالبية من تنادوا إلى الحفل وحرصوا على حضوره للتعبير عن تضامنهم مع المبدعين الذين تعرضوا لاعتداءات أو تهديدات بسبب إبداعاتهم وكذلك صيانة لما تعنيه مواطنتهم المكتسبة بعد الثورة من التمتّع بحقوق إنسانية تشمل حرية العقيدة والرأي والتعبير والعيش في أمان ؛ وأنا سعيد بأن ألاحظ أن غالبية الصامدين نساء.
-         وحسرتي على فشل جيلي في أن يتصدّى للطغيان والفساد، وفي أن يصنع للشباب وللأجيال القادمة تونس أحلى وأبهى وأكثر ألوانا وتعدّدا وأمانا ؛
-         وأساي من انحدار مستوى تنظيمات واتّجاهات عقائدية وسياسية وأطراف أخرى خفية إلى منزلق العنف والاستبداد والتسلط. ولكم كنت أتمنى أن يقف المهاجمون عند حدّ التظاهر والاحتجاج السّلميّ.

3-    هل هذا الظرف الزمني مناسب للتطرق إلى مسألة حماية الفنان من بطش الأطراف المتطرفة التي تتربص به وإلى فتح قضية علاقة اللائكية بالإسلام؟
3/ ليس أفضل من المرحلة الانتقالية التي نعيشها لنناقش بهدوء وتحضّر كلّ المسائل والمواضيع التي تهمّنا جميعا أو تهمّ بعضنا أيّا كانت. ومنها مسائل التمسّك أو عدم التمسّك بمبادئ الجمهورية والمواطنة والحداثة والحرّيات والمساواة، وحماية المبدعين- بمختلف اختصاصاتهم - من الجور والعسف والتجبّر باعتبارهم قاطرة الجذب إلى الأمام وفاعلين أساسيين  في التقدّم. وعلى أي حال فإنّ المتباكين على فتح النقاش في مواضيع الحريات الجماعية والفردية وحماية المبدعين والفنانين هم من فتحوها بحيادهم عن الوفاق العام الذي كان سائدا وبممارسة بعضهم للبطش والاعتداء وادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. ورفض الاختلاف والتنوّع.
وأنا لا أعتقد أنّه توجد مؤامرة مدبّرة لمجابهة مدّعي امتلاك حقيقة الإسلام أو المتستّرين بالدين أو لاستدراجهم إلى صراعات جانبية. بل إنّ الأمر يتمثّل في اضطرار عشاق الحرية والكرامة إلى التنادي إلى حماية حقوقهم وذواتهم من دكتاتورية سوداء متخلّفة تتكالب على السلطة وتبتغي سرقة فرحة الشعب وجرّه إلى مجاهل الظلامية.

4-    ألا تعتقد أن تغيير إسم الفيلم من "لا الله لا سيد" إلى "لائكية إن شاء الله" سيضرّ بإرساء ثقافة لائكية وقد ربطتها المخرجة بالإلحاد عن قصد أو عن غير قصد؟
4/ لا يهمّني كثيرا الفيلم وعنوانه كغرض في ذاته. ولطالما كنت أعتقد أن شعبنا بلغ مستوى من النّضج أصبح معه هذا النوع من التساؤلات والاتّهامات المتعلّقة بحريّة المعتقد والرأي غير ذي موضوع.
والحدث الذي تعرّض إلى الاعتداء لم يكن يقتصر على عرض فيلم. والجمهور الذي توافد على القاعة من حقّه أن يرى ما يودّ رؤيته. وهو لم يجبر أحدا على أن يتابع الفيلم أو يقبل بمحتواه. وهو لم يستفزّ أحدا بل وتمسّك بالصبر فحاور ولم يدفع الأذى بالأذى ولم يردّ على العنف بالعنف.

5-    ما هو موقفك من التدخل الأمني المتأخر نسبيا ومن الإجراءات التي اتخذها؟
5/ تأخّر الأمن في التدخّل وانسحاب العونين الوحيدين اللذين كان هناك - وصبرا معنا كثيرا في مواجهتنا للمهاجمين بالحوار والنقاش- أمران يدعوان إلى ما هو أكثر من الاستغراب والتساؤل والانشغال.

6-    بلغنا أن هذه الممارسات العنيفة لم تقتصر على قاعات السينما والمظاهرات النسوية والمواخير والحانات بل طالت أيضا قاعات الأفراح وسهرات الباكالوريا والمقاهي، فما مدى خطورتها على المستقبل السياسي لتونس؟
6/ أي اعتداء على حريّة المواطنين، وأيّ تسلّط عقائدي أو فكري أو سياسي، وأي لجوء لفرض توجّه أو توجّهات ما بالعنف، وأي سعي إلي الاستفراد بالمجلس التأسيسي للاستفراد برسم ملامح المستقبل تعدّ على تونس جميعها وعلى بناتها وأبنائها الذين صنعوا اللحظة الفريدة، وغلق للآفاق الواسعة التي انفتحت أمام الأجيال القادمة.

7-    من يمكن إدانته بالتورط في إيقاد فتيل الفتن من هذا القبيل والمشاحنات الإيديولوجية؟
7/ لست على علم بما هو مخفي. غير أن نظري يتّجه نحو كلّ من ليس له مصلحة في نجاح الانتقال الديمقراطي وكلّ من لا يرى في الدّيمقراطية إلا مطيّة لبسط دكتاتوريته وعسفه هو.

8-    ألا تعتقدون أن التشدق بالإلحاد أو بالإيمان ظاهرة تتناقض في مضامينها وتتوافق في أساليبها؟
8/ لا أرى لهذا السؤال صلة بالوقائع التي نحن بصددها. فالأمر يتمثّل ببساطة في اعتداء سافر وهمجي على حريّة مواطنين وحرمتهم المعنوية والجسدية وذلك كفعل لا مبرّر له ومسبق التدبير ومحكمه وليس كردّ فعل.

9-    هل يحتمل الشارع التونسي صراعات إيديولوجية ونحن على بعد أشهر معدودة من الثورة؟ ألا يقتضي إرساء ثقافة الإيديولوجيات سنوات طويلة من العمل؟
9/ أنا أرى أننا مازلنا عند الخطوات الأولى للثورة. ونحن فعلا لم نحذق بعد المشي في دروب الديمقراطية. والخنق الذي عانيناه طويلا هو الذي يفسّر كلّ هذا الكمّ الهائل من الكلام والصياح  والادّعاءات. ولن نخرج من هذا الوضع إلاّ بعد عسر معاناة وطول وجع.