1 juin 2011

إن عادوا عدنا!

لم أخفِ أبدًا ولا أخفي ولن أخفي يوما أنّ لي أصحابا ومعارف وحتّى أصدقاء انتموا "للتجمّع الدّستوري الدّيمقراطي"، وقد يكون بعضهم قد قدّم في إطاره خدمات حتّى من تلك التي يمكن وصفها بغير المشروعة والفاسدة.
ذلك أنّ الأيّام علّمتني أن لا أبيض مطلقا وأن لا أسود مطلقا.
كما أنّ الأحداث علّمتني أنّ في البشر شرّ وخير وبِشرٌ وسوء في آن واحد ومعا، وأنّه ليس من المحتّم علينا أن نؤمن أن "البشر ثلثاه شرّ" في كلّ آن ومكان.
أصحابي ومعارفي وأصدقائي الذين انتموا للتجمّع الدّستوري الدّيمقراطي جمعتني معهم أو مع غالبيتهم، رغبة منّي في أن أفيد بلدي وجزيرتي- عبر بعض من الأعمال التي كنت أحرص عليها تطوّعا – أو حتّى في إطار نشاطي المهنيّ كـ"خديم للدّولة"... تلك الرّغبة تحوّلت إلى حرص، فأصبحت أسعى إلى أن أميّز بين تمسّكي بعقيدتي وأهوائي وحتّى خياراتي وبين ما تفرضه الحياة ضرورةً من واجب نفع الآخر والانتفاع منه أيّا كانت عقيدته وأهواؤه وحتّى خياراته طالما أن النفع والانتفاع يحصلان عن وعي من الطرفين وبما لا ضير فيه لكليهما أو لأحدهما، وبما لا يشوّه عقيدتي وأهوائي وخياراتي وأخلاقي...
الأمر لم يكن هيّنا، بل كان أحيانا كالسير في حقل مهمل استوطنته الأشواك، وأحيانا أندر حتّى كالمشي في حقل ألغام.
كما أنّني لم أكن قادرا في كلّ الأحوال والحالات على التجرّؤ على الجهر بتقزّزي أو تبرّمي أو احتقاري لموقف أو فعل أتاه هذا أو ذاك... بل إنّني كنت أجدّ أحيانا لأجد لنفسي مبرّرا للصّمت كأن أقول في نفسي أنّه طالما لم يتعلّق الموقف أو الفعل بما نحن مشتركان فيه فهو لا يستدعي منّي، ضرورة، ردّ فعل، أو كأن أقنع نفسي أو أوهمها بمقولة "الصمت أبلغ من الكلام أحيانا" وأكتفي بأن أوكل لعينيّ ولشرودي مهمّة الإبلاغ...
وأنا الآن، وهنا، أعترف أنّ ذلك كان خطأ منّي... أقول خطأ ولا أقول جبنا... فأنا لم يكن لي ما أخاف عليه، ولم أكن أخاف الخوف متى داهمني... أقول خطأ لأنّني لم أعَامل أصحابي ومعارفي وخصوصا أصدقائي المعنيين باحترام صادق، فالاحترام يعني، ضرورة، المكاشفة والمصارحة والاعتراض وحتّى التعرية والقطيعة... وقد أكون بذلك أسهمت في تماديهم... وأقول خطأ لأنّني لم أعط حقّ نفسي بتمييزها تمييزًا قاطعا وكليّا وبيّنا عمّن لهم عقيدة وأهواء وخيارات وأخلاقيات هي على طرفي نقيض مع عقيدتي وأهوائي وخياراتي وأخلاقياتي...
وأقول خطأً لأنّني بحثت عن فائدة عامّة-كانت شحيحة أغلب الأحيان- فكلّفت نفسي عناء فكريا –كان في الغالب شديدا- وعرّضتُني لأن أعيش على الدّوام صراعا نفسيا مريرا ولأن أكون -غالب الوقت- مضطرّا إلى حرق أعصابي تيقّظا وإيغالا في التحليل والتخمين والمشي على شفا هاوية...
لن أطيل الكلام في هذا... ولكن ستكون لي فيه عودة...
وأرجع الآن إلى منطلق موضوعي هذا لأقول أنّني منهك ومحبط ومريض وساخط وغاضب لأنّ بعضا من أصحابي ومعارفي وأصدقائي الذين انتموا إلى "التجمّع الدّستوري الديمقراطي" وقد يكون بعضهم أدّى –بل إنّ بعضهم قد أدّى فعلا- خدمات هامّة لهذا الحزب الذي أطلقت عليه الجماهير الثائرة لقب "جلاّد الشعب" وللعصابة التي كانت تحكمه ولبعض من نهبوا مستقبل شعبنا ومنعونا من التنمية والنهوض والتحليق، بدؤوا يطلّون على الناس من هنا وهناك من على منابر مختلفة منها جريدة "الجزيرة" ليغتصبوا الثورة لذواتهم وليحشروا أنفسهم ضمن الجماهير المتمرّدة، وليذرفوا الدّموع على ما أصابهم من أذى من قبل النظام البائد، وليعرضوا خبراتهم وكفاءاتهم ويتصدّروا...
بعض أصحابي ومعارفي ممّن خدموا النظام البائد بل وحتّى ممّن حنوا هاماتهم، وشربوا كؤوس الذلّ، و"لحسوا الحيطان" ونظّروا للخنوع، وألّهوا الحثالات وأجازوهم، وساهموا في كسر معاقل النضال، انسحبوا أيّام الثورة الأولى واختفوا وتحاشوا... ثمّ فجأة انبثقوا كالفطر السامّ، ولأنّهم –فيما تبيّن لي الآن- لم يكونوا لا غالطين ولا مُغَلّطين، ولا منساقين عن سراب أو جزع بل تلك كانت خياراتهم الطامحة والطامعة والذليلة والفاسدة، فإنّهم قد تجرّؤوا على أن يبوّؤوا أنفسهم مكانة الريادة والقيادة والطّلائعية وبعد أن حشروا قاماتهم القميئة بين الجماهير، هاهم يتسلّلون إلى الصفوف الأمامية برومون الفوز بفتات ويتهيؤون لخدمة أسيادهم لو عادوا، ويستهدفون إيقاف عجلة التاريخ ويتلوّنون بألوان جديدة رائحتها بنفسجية الطابع والهوى والطاعة منها ما هو أحزاب لا حاجة للبلاد بها ومنها جمعيات كان من الأجدر أن يتعلّموا منها لا أن يركبوها ومنها تدخلات إذاعية وتلفزية وصحفية كان من الأنسب لهم أن يتحاشوها حياء ...
لهؤلاء –ومنهم من لهم صلة بجريدة "الجزيرة"، صلة اطّلاع أو حتّى. صلة حضور -  أقول : لقد كانت بيني وبينكم مودّة، وكان لكم في نفسي شيء من تقدير، ولذلك كنت أتوقّع منكم إمّا صمتا وانسحابا وحياء، أو مراجعة للنّفس ونقدا ذاتيا وتسخير أنفسكم لخدمة شعب أسهمتم في تعطيله حيث يمكنكم خدمته دون ادّعاء ولا غرور ولا تغرير.
ولهؤلاء جميعا أهدي النصّ التالي الذي كنت كتبته لما اشتدّ نواح المتباكين على"التجمّع" وزكم أنوفنا عويلهم...
أرجوا أن يفهم من عليهم أن يفهموا !
وأختم : "إن عادوا عدنا!"   
                                                                 25 ماي 2011

1 commentaire: