11 oct. 2011

المتستّرون بالدّين... وأنا

لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين ولا في مجادلتهم. فأنا أؤمن بأنّهم غير قابلين للنّقاش أصلا... وحتّى من ناقشوا فإنّما هم يناورون... ذلك أنّ الربّ لا يُناقِش ولا يُناقَش... وفي روعهم أنّهم وكلاء الربّ... ينطقون باسمه... ويتصرّفون نيابة عنه... وينصّبون ذواتهم البهيّة حُماةً له... ويتعسّفون ويعتدون باسمه...
ولي مع مناضلي الحركات السياسيّة المتستّرة بالدّين حكايات وحكايات... وأنا إذ أصفهم بالمناضلين فإنّما أستعمل اللّفظ في معناه الأوّل، فهم ـ حقيقة ـ يناضلون من أجل إشغال موقع ومن أجل إخلاء كلّ المواقع من الآخرين غيرهم... بل إنّهم يرون أنفسهم أصفى مناضلين وأجملهم وأحقّهم بـ...الجنّة، وجنّات ما قبل الجنّة!
ومن حكاياتي مع هؤلاء أنّ أحدهم ـ وهو قريب وصاحب وجار ولم يعد اليوم منهم (أي من الـ«هؤلاء») ـ لازمني أيّاما وهو يتخفّى فيما كنت أنا غادرت الحبس للتوّ... شاورني صادقا ونصحته صادقا، وتبادلنا الرأي في كلّ شيء إلاّ العقيدة والخيارات... وتابع والدي حينها هذه العلاقة باستغراب وحيطة... وذات يوم قال لي في شبه تأنيب: «من منكما يناور ليسحب الآخر إلى مواقعه؟ لا أريدك مهزوما يا ولدي... اِحذر فإنّ كيد هؤلاء لعظيم!»... ولمّا أُوقف صاحبي سمح أحد الجيران لنفسه (وهو الذي لم يفعل فعل نضال ـ بأيّ اتّجاه وبأيّ معنى ـ في حياته اللهمّ بيع الدّجاج) بأن ينطق وهو متأكّد من الأمان، بما يوحي بأنّ الدّولة كافرة لأنّها تعتقل جند اللّه وتطلق سراح الكفّار الذين لا يستأهلون إلاّ الإعدام...  ولمّا بادرتُ إلى والد صاحبي أفهمه ما يلزم أن يعمله لابنه للتخفيف عنه طردني أو كاد (أصبح صاحبا لي فيما بعد!)... أمّا الدّاعي إلى شنقي فلقد تسلّل هاربا من حيث كنّا لمجرّد أن فهم أنّني كنت، وكافر آخر مثلي، نحرّر عريضة صدّرناها بالبسملة وجرّدناها من أيّ تعبير سياسيّ ولم نحتجّ فيها إلاّ على حصول الايقاف في حرم الجامع...
ومن حكاياتي معهم أيضا أنّ بعض زملاء انضمّوا إليهم في تلك السّنوات التي اغترّوا فيها وعربدوا، وصموني هم بالكفر وضايقوني بألف شكل مكشوف وغير مكشوف، بل وأوحوا إليّ يخوّفونني حتّى بأنّ إسمي على قائمة أعداء اللّه الذين تصحّ تصفيتهم... ولمّا تعرّضت  حركة هؤلاء إلى السّياط ومعاول الهدم حميت حقوق زميل موقوف فشاغبني الزملاء الذين هدّدوني، وفضحوني لدى الإدارة... ولمّا حرصت على أن يتمّ ـ عند معاملة الموظّفين ـ الفصل بين صفتهم المهنيّة وبين معتقداتهم وخياراتهم، كان أوّل من تصدّى لي رهط من مناضلي اتّجاهات سياسيّة تدّعي تمثيل اللّه والدّين...
بعدها أعجبني وأغراني أكثر بالتعايش وحتّى بالتعاون أن استقبلت صاحبي في داري وهو يخرج للتوّ من محبسه والعسس يسيرون من ورائه غير متخفّين وكدت أغترّ وأوقن أنّ الحوار ممكن!
بعد ذلك وفي الزّمن الذي اكتوى فيه أولاء بالميز والعزل والكيد من كلّ جهة وجانب، قمت بما رأيته واجبا ومتاحا (ولن أعدّده هنا)... وتصدّيت مدافعا عن التراث الإسلامي والمعالم الدينيّة المهدّدة حتّى شرّفتني شهادة أفخر بها، شهادة الشيخ الصّادق بن مرزوق الذي أفحمني وهو يشكرني علىاستماتتي في الدّفاع عن جوامع جربة في زمن كان مجرّد الكلام فيه عن الجوامع مدعاة للظنّ، بل للتنكيل.
وفي الأثناء عايشت، من قريب، علاقة الحوار والتشاور التي جمعت بين السيّد راشد الغنوشي وبين المناضل الكبير الذي فقدناه أخي نورالدين بن خضر...
وقبلها ـ وأنا أُنقل من سجن إلى سجن ـ اطّلعت قليلا عمّا فعله دعاة ـ كنت، تلميذا، خبرتُ ضيق صدر أحدهم وظلمة أفقه ـ بإخوتي الصّغار الملتاعين حتّى كادوا يجنّدونهم فيسخّرونهم...
ولأنّ لي صلة بالحضارة الإسلاميّة، وبالتّاريخ عموما، ولأنّ لي صلة بالكتاب وثيقة وبالنّشر أيضا، فإنّني عرفت مثلا كيف سيطر الشّيعة على إفريقيّة وكيف اندثروا منها، وكيف اكتسح المذهب المالكي السّاحة، وكيف قُتل الإباضيون وما زالوا يُحاصرون ويُضايَقون رغم أنّهم أصبحوا قلّة قليلة.
أمّا مع انطلاق الثّورة وهروب الجبان، فلقد رأيت المتستّرين بالدّين أين كانوا خلال الأيّآم العصيبة، وفي المظاهرات والاعتصامات، ومواقفهم وتقلّباتها... ثمّ عايشت زحف اللّحى والهركات (ج. هُركة) والخيام السوداء، والصّلاة على قاذورات الشّارع الكبير...
ثمّ أتيحت لي فرصة معارضة اعتداءات البعض منهم على المنادين بالعلمانيّة وبتونس لجميع بناتها وأبنائها، وللمناديات بالمساواة، وبحقّ أمّي في أن تعادلني قيمة وشأنا وحقوقا...
ثمّ كنت بمحض الصّدفة عرضة لاعتداء ذهب بنظري دقائق طويلة حتّى أنّه أفهمني ما لم أكن فهمته من طه حسين، اعتداء ارتكبه بعضهم أو منتسبون ارتكبه بعض منهم، أو منتسبون إليهم، أو متستّرون بلحاهم وشعاراتهم وبعض أشكال ممارساتهم...
وقبل ذلك حدّثني أصدقاء ثقات عن ممارسات فظيعة تعرّضوا لها من قبلهم وهم في الجامعة، في زمن فتح فيه مزالي الباب عريضا أمام كلّ الرعوانيين والعتاة... ورغم ذلك وكثير مثله لم أذكره، ورغم قراءاتي، ورغم ما عرفته من شأن ذي صلة على المستوى الدّولي فإنّني ظللت أعتقد أنّه لكلّ الاتّجاهات السياسيّة الحقّ في الوجود والتواجد والنّضال من أجل خياراتها حتّى وإن تستّرت بالدّين وادّعت العصمة... ولم أكن أرى إلاّ النّضال ومقارعة انعدام الحجّة بالحجّة، سدّا منيعا من سيلهم الجارف... ولم أتبيّن شرطا يمكن أن يقبل به حدّا لأنشطتهم سوى شرط نبذ العنف...
إذن، لم أرغب يوما في الكتابة عن الاتّجاهات السياسيّة المتستّرة بالدّين حتّى ضيّقتْ عليّ أنفاسي ممارساتُهم ودعاويهم، ورأيتهم يتهافتون على بلدنا يتهيّؤون لنهشها، لا يردعهم شرط نبذ العنف، ولا عهد وفاق، ولا توصيات «أردوغان» ولا نصائح أمريكا... وأقصد ما أقول ولا أتردّد.
ولي عن ذلك شواهد:
فمنذ أن بدأت تنهار أدوات السلطة البائدة واطمأنّ بعض النّاس إلى انعدام الرّدع شرع بعض المتستّرين بالدّين في:
ـ احتلال جوامع ومساجد قسرا، وانطلق الأمر ـ في ما أعلمه ـ من جربة، ونصّب نكراتٌ أنفسهم أئمّة ودعاة ومتصرّفين،
ـ وتشويه، أو حتّى هدم، معالم أو أجزاء من معالم دينيّة وحضاريّة وثقافيّة أغلبها عتيق. حدث هذا في جربة، وشُرع فيه بتطاوين، ولكنّه حدث أيضا بأماكن أخرى كمرناق، وسُعي إليه في الكاف،
ـ إظهار غطرستهم بتعمّد الصّلاة في شوارع ليست بعيدة عن مساجد مثلما حدث في الشّارع الكبير بالعاصمة وفي القصبة، وأمام المطار،
ـ وتكاثرت المحجّبات والمنقّبات والمتنقّلات تحت خيام، والملتحون وأصحاب السراويل القصيرة، ولابسو الجلابيب، وتوزّعوا في الأحياء والأنهج يظهرون صلفهم، ويرفعون أصواتهم بما يتعدّى على حرّيات النّاس،
ـ وتسرّبت إلى وسائل الإعلام مواضيع كنّا نخال أنّها لم تعد من اهتمامات شعبنا ولا من مشاغله كموضوع تعدّد الزّوجات، ودراسة الفتاة، وعمل المرأة، واللّباس الشرعي، بل وتمّ إحصاء حتّى عدد من الاعتداءات على الحرّيات الفرديّة.
وفيما نادى مناديهم يندّد ـ ادّعاءً ـ بسعي العلمانيين واللّائكيين إلى الانحراف بالثّورة عن مساره، وإثارة مواضيع هامشيّة، وينعت هؤلاء بأبشع النّعوت ويلصق بهم تهم الولاء للغرب وللأجنبيّ وللشيطان، توزّع هؤلاء أو بعضهم (عن وعي أو بغير وعي وبتحريك أو من تلقاء أنفسهم، هم وحدهم وكلّهم أم طوائف منهم بتحريض مندسّين، الأمر سواسية طالما أنّهم لم يعبّروا عن رفضهم الصّريح لكلّ ذلك!) يمارسون سياساتهم في «بيوت اللّّه»، وعلى شبكة الانترنت التي احتلّها بعض المنتسبين إليهم يكيلون أبشع الاتّهامات وأقبح الصّفات لكلّ من ليس منهم أو مثلهم، ولكلّ من تمسّك بإنسانيته ومواطتته ورفض أن يستكين لهواهم.
بين هذا وذاك تعمّد قوّادهم تعميم الخلط، فتعمّدوا ازدواجيّة ـ بل تعدّد ـ الخطاب: خطاب للاجتماعات العامّة، وخطاب للجوامع، وخطاب للمناسبات الخاصّة، وخطاب لهذا الصّنف من وسائل الإعلام وغيره للأصناف الأخرى...
وهنا أودّ أن أحكي حدثا عشته شخصيّا:
إثر الاعتداء الذي تعرّضت له أمام قاعة عامّة للسّينما دعتني قناة «الجزيرة» (والدّعاية هنا مجانية صرف!) لمناقشة الموضوع. وجرى الحوار لكن بصفة غير مباشرة وكان واحد من قيادات «حركة النهضة» معي على نفس الركح. ولاحظت أنّه تبرّأ من لجوء حركته إلى العنف ولم يتبنّ الأفعال التي حدثت. بل ووقع بينه وبين رئيس حزب  التحرير المحظور الذي كان هو أيضا طرفا في النّقاش ـ لكن من مكان آخر غير مكاننا ـ جدال وحتّى تنافر وخلاف حين دعا هو إلى التحكّم في القواعد والأعضاء والسيطرة على النّفس للامتناع حتّى عن ردّ الفعل ونادى بعدم اللّجوء إلى العنف، فردّ عليه صاحبه بأنّه غير مستعدّ لقبول دروسه وذكّره بتاريخ الحركة في الشأن.
هذا القياديّ لم يكلّف نفسه حتّى عناء (إذ يظهر أنّ تمنّي الخير لرهط مثلي عناء في نظر هؤلاء!) أن يهنّئني على السلامة ويتمنّى لي أن لا تكون للاعتداء آثار لاحقة على بصري... بل إنّه ـ أكثر من ذلك ـ خَلَطَ بين المعتدي وبين الضحيّة وحمّلنا جميعا المسؤوليّة بالقدر ذاته...
ولأنّني أحرص على أن أقرأ الخير في النّاس، فلقد ناقشته الأمر ونحن نغادر. وشجّني على ذلك أنّني لاحظت أنّ ذويه ـ وخصوصا زوجته ـ الذين كانوا في انتظاره عصريو الهندام والتصرّف. فأقرّ بأنّه كان عليه أن «يستلطف» لي وأن يندّد بالاعتداء بكلّ وضوح وجلاء وأن لا يظهر وكأنّه يبرّره بالتشديد على أنّه كان ردّة فعل، طالما أنّه كان فعلا عنيفا لم يُردّ على فعل عنيف.. واستبشرت لمّا وعدني ـ دون أن أكون قد ألححت عليه في ذلك ـ أنّه سيسعى إلى تبديد عتمة موقفه بل وحتّى للاعتذار لي حين تتاح الفرصة...
وطبعا ما زلت أنتظر ذلك منه!
وأودّ كذلك أن أشير إلى ما تعيشه ابنتي لينا المدوّنة الشهيرة باسم «بنيّة تونسيّة» من اعتداءات منهجيّة ويوميّة ومن قذف فاحش لمجرّد تعبيرها عن عدم اتّفاقها مع منهج الاسلامويين...
ويعرف متابعو المدوّنات وصفحات الفايسبوك أنّ القذف والوعيد وحتّى التهديد بالويل والثبور والقتل قد تعدّى شخصها إلى عائلتها وأصدقائها وصديقاتها.
بعد هذا ألاحظ أنّ لا أحد من معتنقي السياسة المتستّرة بالدّين ـ حسب ما يتيحه لي اطّلاعي ـ قد بادر إلى التعبير بصورة واضحة وبيّنة ولا تقبل التأويل عن مناهضته المطلقة للعنف راهنا ولاحقا، وعن دفاعه عن حقوق الآخرين، كلّ الآخرين في أن يكونوا كما أرادوا وكما يشاؤون طالما أنّهم ملتزمون بحقّ الجميع في مواطنة حقّة وحرّيات كاملة، وعن تشبّثه بالقوانين والمعاهدات الدوليّة والوطنيّة المتعلّقة بحقوق الإنسان الآن ومستقبلا كما تشبّثوا بها واستندوا إليها لمّا كانوا مقموعين ولمّا لجؤوا إلى ديار الغربة، بل ديار الغرب، فاستظلّوا بها وغنموا منها علما ومالا وصيتا، وتكوّنوا في معاهدها ولدى منظّماتها المختصّة.
ولا أحد من هؤلاء تصدّى ليفسّر لنا مصادر هذه الأموال الطوفانيّة وليرفض التصرّفات الدعائيّة الفجّة التي تحقّر مواطنينا ومنها توزيع الهدايا وأدوية علاج جميع الذّنوب والهموم والآلام والأحزان، وتسخير الحافلات لتضخيم الاجتماعات، ولا أحد من هؤلاء أكّد للنّاس صادقا ومخلصا أنّ لا تناقض فعليّا بين ما يدعون إليه حقيقة وسيمارسونه فعلا قادما وبين ما يدّعونه.
وإريد أن أقول هنا أنّ التغيّر الذي حصل أخيرا في نهج الحركة من حيث خطابها الرسميّ، وبرنامجها الانتخابيّ، وهندام أعضائها ومناصريها لا يطمئنني لأنّه جاء مفاجئا وغير مفسّر أو مبرّر، وكأنّه نتاج تدخّل مكتب غربيّ مختصّ في العلاقات العامّة ليس إلاّ.
ولأنّني كتبت، وأطلت فإنّني سأقول أيضا ما يلي: شعبنا برجاله وبنسائه بدأ ثورة، وشبابنا وشاباتنا تكبّدوا تضحيات جساما من أجل الكرامة والحريّة والمساواة، والحقّ في تنمية عادلة... فإمّا أن نصغي إليهم وإليهن ونفهمهم ونفهمهن ونساعدهم ونساعدهن، وإمّا أن نغالطهم ونغالطهن... وفي الحالة الأخيرة لاشكّ أنّهم وأنّهن لن يتردّدوا ولن يتردّدن في التمرّد سريعا علينا كما تمرّدوا وتمرّدن على العهد البائد والنهّابين، ولقّنونا ولقّنّنا درسا في الشجاعة والحكمة والإبداع والتشبّث بتحقيق المبتغى هنا والآن.

16 سبتمبر 2011 

1 commentaire: