13 sept. 2011

سي الباجي وفاؤك له مدعاة للإعجاب فلتف بالمثل للشّعب

بعجبني في الوزير الأول الباجي قائد السبسي وفاؤه. فهو وفيّ لمعلّمه و زعيمه  ومثله الأعلى لحدّ التماهي معه. وهو وفيّ لمجاهده لحد يبدو معه أنه اعتقد أن الربّ أو الزمن أو القدر أو الصدفة أو حرص الثّوار على الوفاق و حرص الثّورة على سلميتها و طول نفس فاعليها وسعة صبرهم لم يأتوا به هو لأمر آخر غير أن يحوّل الثّورة من ثورة كرامة  وحرية وتنمية واستحقاقات شغل إلى ثورة ردّ اعتبار بل ثورة أخذ بالثّأر للزّعيم الأوحد من ذاك الذي هرب.
ويتجلّى وفاء سي الباجي في حرصه وهو يتكلّم على أن يظهر بمظهر معشوقه في حركاته وسكناته وطريقة خطابه وردود فعله وغضباته المبرمجة مسبقا وتضخيمه لأناه وتشديده على هيبة الدّولة التي هي هو وتهكّمه على من يجرؤ على أن لايشاطره رأيه أو لايصفّق له.
وفاء سي الباجي لملهمه ظهر منذ اليوم الأول  الذي رأيناه يفتح فيه فاه . . .فهو لا يسهو أبدا، وكلّما تحدّث ،عن ذكره والتبريك له و تطييب ذكراه ،وتقليد أسوإ ما كان فيه :عنجهيته وغروره وتسلّطه.
غير أن الحدث الذي تجلّى فيه وفاء سي الباجي لسيده بأكثر صفاء هو خطابه الأخير :
فمن حيث الإخراج والتّوزيع الرّكحي رأينا سي الباجي يقف على مصطبة قعد على طرف منها من اصطفاهم من حكومته يكادون يتخفّون وراء عرصة وقفت أمامهم كأنها القدر المحتوم ، وتظهره الكاميرا كلما تحدّث عنهم ووجّه وجهه نحوهم كأنما ليطلب شهادتهم  أو ليورّطهم وكأنه يبحث عنهم في حفرة الموسيقيين لكن وراء الرّكح. ورأينا أعضاء هيئتين مستقلّتين أو هكذا توصفان بل إن احداهما ادّعت لنفسها ذات أيام حتى حقّ مراقبة الحكومة – يقبعون كما الخجل الوجل في مرتبة أدنى في ركن منزو من القاعة الفسيحة التي تصدّرها هو واقفا مرتفعا عن الجميع وانتصب وسطها –أغلبهم قعودا- جماعة من الصّحافيين المتهيّبين ينتظرون متى تصعقهم أو تصعق بعضهم أو أحدهم غضبة الواقف العظيم المهيب
وأنا أرى الرّكح والإخراج  تراءت لي صور ثابتة شتّى عتيقة، صور بورقيبة وزيرا أول أو أكبر يرسي سلطته الباتّة ويبسط نفوذه المطلق ويسوّي مؤسّسات الدّولة اليافعة على مقاسه...
وخيّل لي أن سي الباجي قال لنا خطابا وأبلغ إلينا خطابا غيره ... وعندما سمعته يذكر أن الرّئيس على علم بقراراته سمعت بورقيبة يتحدّث عن الأمين باي الذي من المرجّح أنه لم يكن يدري وقتها أن مملكته تعيش أنفاسها الأخيرة أو على الأقلّ لم يكن يعي جيّدا أن ابنه البارّ سينقضّ عليه بعد حين قصير ... ولبرهة ربّما لم تكن أطول من رمشة عين .تبدّى لي سي الباجي رئيسا انتقاليا يشغل قاعة الاجتماعات الكبرى بقصر قرطاج ويخطب خطبة عصماء تعيد إلى القصر المجاهد االأكبر (وهو في عرفه غير الشّعب الذي لا مجاهد ولا أكبر سواه كما كان يحلو لنا أن نقوله ونكتبه  منذ السّبعينات  وندفع لقاءه بعضا من عمرنا سجنا و تشريدا )
ولما توجه سي الباجي إلى بضعة الرّجال معهم امرأة في ذاك الرّكن الواطئ على يساره ليشكرهم تبدّى لي بورقيبة المتعملق يقول لتأسيسيّه و"منظّماته القومية " : "أنتم منّي ... وبدوني لن تكونوا إلاّ عهنا منفوشا"...أمّا لمّا تبجّح بأن لا أحد سوى حكومته (التي سلف أن وصفها  بأنّها أفضل حكومات تونس بعد حكومة الاستقلال الأولى) يحافظ على الثّورة، فلقد تبدّت لي في صوته نبرة سخرية تضحك على ذقون الجالسين هناك المؤتمنين على أهداف الثّورة  وتريد أن تهزأ من كلّ أولئك الذين استشهدوا أو جرحوا أو فقدوا أحبّتهم او استنشقوا غازات مستوردة بالعملة الصّعبة أو أصابتهم هراوات حرص هو وأتباعه أن لا تفارق الزّبانية وأن لا تقع في البطالةحتّى أيّام حكومته المثالية المتفرّدة و إلى اليوم .
وعندما تكلّم سي الباجي عن الانفلاتات وأزبد وأرعد وهدّد وتوعّد
وأعلن حالة الطّوارئ وحلّ النّقابات وأذن بالويل والثّبور فلقد رأيته قد انتفخ كما لو كان عرفه وهو ليس عرفه ، وخشيت أن يهلكه وفاؤه وأن يكسر عظمه إصراره على مطاولة هامة أستاذه وأن يهزّئه من هزئ منهم.
ولما تحدّث سي الباجي، في شبه إيحاء أو إيماءأو بسط ألغاز عن الاستفتاء، فتحلّل منه وتبرّأ ثمّ هشّ له وبشّ ، وبسط له فرشا من ديموقراطية  وتوافق ، رأيت بورقيبة وهو يحثّ التّأسيسي بداية على الانقلاب على الملك ويشرع في- غير إعلان- في إقامة ملكه هو الجديد، ثم وهو يطيل أو يهمس لمن يتبعه دون شرط ولا حتى أبسط نقاش بأن يطيل عمر التّأسيسي حتى يغالبه ويسبقه فلا يكون الدّستور إلاّ عهدا يكرّس ما أراد وما بنى .
ورغم الخشية والتّوجّس ورغبة جامحة في أن  أنزع من دماغي ما يتوارد عليه من تحليلات وصور وتخمينات ومقارنات واستقراءات انتابني إحساس بالرّهبة وخشيت على مجلسنا التّأسيسي القادم علّه لا يقدم أو يقدم مشوّها أو مبتورا أو يرقد للأي في رحم أمّه وقلت في نفسي : ٌ لماذا تصرّ هذه الحكومة على اللّعب بأعصابنا فلا تنفكّ تعدّد الموانع والعراقيل والمعوقات والصّعوبات والانفلاتات حتى ليخيّل للمرء أنّها تهواها وتعشقها فتراها حتى حيث لا توجد ويحسب (على الأرجح غالطا ) أنّها قد تكون   تنفخ فيها لتشغل النّاس بها أو لتنشر الفزع  وتسعى إلى خيبة المسعى ؟ ولماذا يصرّ هذا الوزير الأول على أن يصمّ أذنيه عن نداءات القصبة والقصرين وسيدي بو زيد ووسط العاصمة وكلّ أنحاء البلاد وأرجائها الدّاعية إلى إسقاط النّظام كلّه لا رأسه فقط وجميعه لا بعضا من مؤسّساته فحسب ،ولماذا لا ينصت إلى الذين قالوا : " ها أننا غادرنا لكنّنا إن عادوا نعود" وهم يهتفون :" نريد مجلسا تأسيسيّا حقّا  يؤسّس لنظام جديد بديل يكرّس القطع الكامل مع ما سبق ،كلّ ما سبق ، فيهبنا دستورا جديدا ، ويمنحنا نظاما يوائم طموحاتنا ومواطنتنا، ويفتح في وجوهنا أبواب الأمل "، ولماذا يحرص هذا الوزير الأول الذي جاء أو جيء به أصلا ليكرّس مطامح الشّعب  في أوسع تجلّياته  وبأغلب فئاته على أن لا يسمع إلاّ تلك القلّة القليلة من المتعنّتين الجاذبين الى الوراء والمنادين إلى الردّة والمناشدين باستدامة المتهاوي .                                   وفاء الرّجل يبهرني.
لكنّني أخال أن الرّّجل غير الرّجل الذي يصبّ عليه وفاءَه، وأن الزّمن غير الزّمن ، والجمهور غير الجمهور والظّرف غير الظّرف...
ولأن الحال هي على هذه الحال فمن اللاّزم أن يتغيّر الخطاب ونسق الخطاب ، ظاهر الخطاب أو منطوقه ومرئيّه وباطن الخطاب وإيحاءاته والمسكوت عنه فيه .
يا سيدي الوزير الأول : قطعا يعجبني وفاؤك...لكنني أخشى أن  يكون في وفائك لمعلّمك وعرفك ما يجعل بصرك يزيغ فلا تدرك أنّك تخاطب شعبا أغلبه لا يعرف معلّمك ولا يرى مثلك أنّ عليه واجب الوفاء إليه ، وما يؤدّي بك إلى سوء التّقدير فلا تدرك أنّ مطامح الشّباب المتحفّزلا يصحّ مغافلتها ولا تقوى عليها قوّة مهما تخفّت وتلوّنت وخبثت...
يا سيّدي الوزير الأول: معك قطعا حقّ الاختلاف وحقّ الحذر والحيطة لكنه ليس من حقّك أبدا أن تنصّب نفسك حاكما بأمرك وبورقيبة جديدا لا يسمع إلاّ أناه ولا يتساهل إلاّ مع السّاعين إلى مغالبة سير التّاريخ و ثني حركة الانتقال ... وقد يكون من حقّك أن تنادي مع من ينادي إلى ضبط عمر التّأسيسي وتقصيره لكن دخولك التّاريخ  معزّزا وحسن الذّكر قد يعطّله إشراكك في المسّ من صلوحياّته والتّعدّي على شرعية صندوق الاقتراع بتغوّل حكومة لا شرعية لها إلاّ بالتّوافق البسيط الذي لا يرقى إلى شرعية صندوق الاقتراع.
يا سي الباجي :أتحوّل مناشدا فأناديك إلى الوفاء بوعدك للنّاس بأن تؤدّي الأمانة وتقود السّفينة إلى مرفئها... وأغار عليك فأقترح أن ينظر- توافقا أو في التّأسيسي- في إقرار بقائك وحكومتك(بعد تعديلها وطرح من من الأنسب عزلهم منها) حكومة انتقالية ترافق التّأسيسي هي والرّئيس المؤقّت ،لكن مع خضوعها الفعلي لرقابته وإشرافه  وتخلّيها له عن كلّ ما هو تشريعي ...
وأخاف عليك تماهيك حيث لايصحّ التّماهي فأرغب منك في أن تكون أنت أنت ،وأن تـدخل التّأريخ علما عرف كيف يمهّد للانتقال مجراه .

الصّادق بن مهنّي         12  سبتمبر 2011

1 commentaire: