27 août 2011

ماذا تدبّر لنا يا سي الباجي ؟


رغم أنّ واحدا من أصدقائي العاقلين و المجرّبين، على الأقلّ، يشاطرني ما سأكتبه أسفله، فإنّني أرجو صادقا أن لا يكون لتخميناتي و استنتاجاتي أيّ قدر، مهما ضؤل، من المصداقية... ذلك أنّني أتمنّى لبلدي سيرا واثقا نحو الديمقراطية و نجاحات تخدم جميع فئات الشعب ذات المصلحة في الثورة التي هي في واقع الأمر جميع فئات الشعب لا يستثنى منها إلاّ قلّة من المتمعشين المستكرشين النهّابين الفاسدين على جميع المستويات و منتهكي حقوق الإنسان و الطمّاعين الخنوعين.
 من قراءتي للخطاب الأخير للوزير الأوّل في الحكومة المؤقتة، و من بعض التحليلات و البيانات الصّادرة هنا و هنالك، و من مواقف تمّ التعبير عنها من قبل بعض أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و ما إلى ذلك و خصوصا منهم رئيسها، و من بعض التحركات الميدانية التي شهدها و ما يزال يشهدها الشارع التونسي يبدو لي أنّ قوى بعضها خفيّ و بعضها يجمع بين رئيس الحكومة المؤقتة و رئيس الهيئة العليا و زعامات بعض الأحزاب و المنظّمات المهنيّة و الحقوقية تدبّر للانعراج بالمجلس التأسيسي من مجلس تخوّل له شرعيته المستمدّة من الشعب عبر صناديق الاقتراع أن تكون له صلوحيات :
-تعيين حكومة مؤقتة جديدة و رئيس مؤقّت جديد، و الإشراف على أعمالهما،
-و التشريع،
-و إعداد الدّستور الجديد
-ثمّ أخيرا الإعداد لانتخابات تشريعية و رئاسية،
الإنعراج به إلى مجلس تأسيسي فنيّ لا يتولّى غير مهمّة إعداد دستور جديد.
و هو ما يعني استمرار مسك السلطة بل السلطات من قبل الحكومة المؤقتة الحاليّة، على حالتها أو معدلّة، أي عمليا تحكّم سلطات بعضها خفيّ، و قد يكون الأقوى و الأكثر تأثيرا- و كلّها مفتقدة لشرعيّة حقّة أو ذات شرعية ضئيلة، في مقدّرات البلد و في المؤسسة الشرعية الوحيدة التي من المفترض و المقدّر و المطلوب أن تؤمّن الانتقال بالبلاد من مرحلة سيادة اختيارات و مؤسسات و منظومات النظام البائد- أصلا و بقايا إلى مرحلة بناء نظام جديد بديل.
و إذا ما صحّ هذا التخمين فإنّ الأمر سيعني حقيقة لا مجرّد التفاف على الثورة و إحباط لأهدافها و هدرا للطاقات و التضحيات و الوقت بل سرقة موصوفة لمطامح الشعب و أحلامه و نضالاته و إهداء للسلّطة إمّا لأزلام النظام السابق أو لنظام بديل لن يتميّز عن النظام البائد إلاّ ببعض من مسّمياته و صوره و خطاباته.
و إذا ما صح هذا التخمين فإنّه سيترتّب عن الأخذ بما استشفّه- و لا شكّ- خيبة أمل كبرى، و يأس عارم، و غضب هادر، و بالتالي انفجار جديد قد يكون أشدّ رعدا و قصفا و هيجانا و أثرا. ذلك أنّ طموحات شبابنا و انتظاراته لا تزال متأجّجة، و أنّ ما قد يبدو لبعض من المستبدّين بالسلطة على أنّه هدوء و خنوع  و تسليم أو استسلام ليس إلاّ وهما أو سرابا يخفي و راءه بركانا متوثّبا للانفجار و الانسياب و الزحف.
 و لعلّ من أبرز علامات الانفجار الكبير الممكن و شديد الاحتمال و الذي سيعصف أوّل ما سيعصف في حال وقوعه- بالقوى الخفيّة و الظاهرة التي ذكرها التخمين حتّى و إن  هي تشبّثت بالسلطة بكلّ الوسائل حتى غير القانونية  و العنيفة منها، هذه المظاهرات و الأحداث التي يدعو إليها شبّان و شابّات أغلبهم غير منظّمين في أحزاب و جمعيّات و بعضهم منظّمون لكنهم يحرصون على حدّ أدنى من الاستقلالية و لا ترضيهم كلّ أو جلّ أو بعض خيارات تنظيماتهم.
 و أيّا كانت الإشاعات و الادّعاءات التي تبثّها أجهزة السلطة و بعض من الناطقين الرسميين و التي ترمي لتشويه تحركّات هؤلاء و إظهارها على نقيض حقيقتها و تبرير التعامل معها باللجوء إلى العنف و القهر و القمع ... هذا ما يظهره مثلا التعامل العنيف الذي لاقته المظاهرات السلميّة التي اجتاحت وسط العاصمة و شارع بورقيبة يوم الاثنين 15 أوت، و ما تلاه من تعمية إعلامية و ادعاءات و من تعتيم شمل التحرّكات المماثلة و الموازية التي شهدتها أنحاء و مدن و تجمّعات عديدة من بلادنا.
 و من علامات ما  قد يكون يدبَّر هذا التغاضي- الذي قد يبلغ حدّ التحفيز- عن الفوضى العارمة التي طغت على شوارع مدننا و أنهجها و تواصل نماء شبكات الأنشطة غير المنظّمة و التجارة الموازية العابرة للحدود ( و ليس باتجاه ليبيا فحسب) و البناء الفوضوي، و البلطجة، و عدم التصدّي للتجاوزات و الاعتداءات و الانخرامات الأمنية ...
سيّدي الوزير الأوّل، أحلم بأن تقرؤوا هذا و بأن تكذّبوه و تبيّنوا أنّكم فعلا في خدمة تحوّل ديمقراطي حقيقيّ و بأنّكم لن تعرقلوا مسيرة شعبنا نحو الحرّية و الكرامة و التنمية في أيّ حال من الأحوال.
الصادق بن مهنّي
 
26  أوت 2011

3 commentaires: