11 juin 2010

حال و أحوال ؟


يحدث من حين لآخر أن تفاجئني ذاكرتي، المرهقة والكسلانة في آن، بأن تضع أمام عينيّ، بالألوان وفي حجم كبير، صورة أو واقعة أو قولة أوردّة فعل قد لا أكون أوليتها –في حينها- ما يناسبها من أهميّة لكنّها رسخت، رغم ذلك، في الوجدان...

يحدث ذلك خصوصا، كلّما صُعِقْتُ أو فوجئت أو فجعت بحدث أو خبر لم أكن أتوقّعه من مأتاه أو نسيت أنّه عليّ أن أتوقّع من مأتاه كلّ غريب وكلّ مستهجن وكلّ موجع.

هذا ما جدّ، مثلا، منذ حوالي أسبوعين عندما فوجئت بالخبر التالي : جمعية صيانة جزيرة جربة تردّ الفعل على حديث أدلى به  السيد مسعود يامون وأخرجه السيد سليمان بن يوسف الأمين في كتاب وسمه بعنوان : "جمعياتنا البيئية = الحال والآمال" ، وتصدر بيانا تعلن فيه أنّها «تحتفظ لنفسها بحقّ مقاضاة المؤلّف والمستجوب لما تضمَنهُ [...] من تضليل وافتراء وثلب».

 صعقت وأصابني ذهول أو قد تكون غمرتني لوثة من غباء.

ولم أفهم ما يحدث : جمعية أهلية وتطوّعية رائدة وطموحة ويشهد لها بالسّبق والرّيادة وبالإنجازات، وتفلح عند الحاجة أو الرّغبة، في تجميع طاقات خيّرة حتّى ممّن لا يشاطرون مسيّريها، أو بعضهم، مناهج عملهم وطرق تصرّفهم، لا تتورّع عن أن تردّ بمثل هذا العنف وهذه العنهجية وهذا التسرّع وبعبارات من هذا القبيل الذي مجَته آذاننا ولفظته عقولنا ونكدّ علينا عيشنا وكلّت منه أفئدتنا... بل ويهزّها طرب الحنق فتنساب –في انبساط وخيلاء- نحو المحاكم جارّة إليها "المؤلف والمستجوب" معا آملة أن تصيبهما من ذلك بضربة قاضية تكمّم فاهيهما إلى الأبد وتكسبها هي صفاء لبنيا وعذرية الوليد.

 لم أفهم ما يحدث ولا كيف يمكن أن يحدث ما يحدث : فما أعلمه أنّ الجمعيات المدنية هي رحب تلتقي فيه القدرات والكفاءات والعزائم من كلّ الاتجاهات، وبكلّ الأحلام و أطياف التّوق، وأيّا كانت فروقات أو اختلافات طبائعها وبنياتها الفكرية والمزاجية... وما أعلمه أنّ متطوّعي الجمعيات يحرصون على النظر بعيدا صوب الأهداف والأغراض التي التقوا بسببها ويجهدون ليتجنّبوا أن يقف نظرهم عند حدّ أنوفهم، وليتلافوا الانجرار وراء ذاتيتهم  وليكبحوا غرورهم ويكمتوا ويكبتوا غريزة التباهي كلّ بسرّته والتفاخر كلّ بصرّته.

تجاوزني البيان وعسر عليّ فكّ طلاسمه واغبرّت أمام ناظريّ موارد فلسفته : فما ضرّ الجمعية أن يقول أحد أبرز أعضائها ريادة، واستمرارية، وعطاء فكريا ووثائقيّا وماديا- ما يعنّ له أن يقوله حتّى وإن بدا للبعض أنّ قوله قد تخلّله شيء من اللخبطة وانعدام الدقّة وربّما حتّى شيء من التجنّي...

هذا رفيق درب ثابت، صادق، طائيّ، ويعرف الجميع اندفاعه وحماسته وشدّة عشقه للجزيرة الذي يجعله أحيانا كثيرة يسوق دون كابح... هذا رفيق درب عبّر ليتنفّس، وليثير جدلا خصبا، وليحدث رجّة لا شكّ أنّه أرادها حبلى بالمراجعات المفيدة والتقييمات المعمّقة واستقراء البدائل الأنجع...

هذا رفيق درب قال ما قال وهو يخال أنّه بين أصحابه وأسرته وفي محيطه الطبيعيّ، وهو، لذلك، تكلّم بعفوية واندفاع فأدلى بقراءات لم يدقّقها- لكنّها قابلة للتدقيق بل وقد تكون قابلة حتّى للتصديق- وذكر بعض تفاصيل قد تكون جانبت الصّواب، لكنّها، على أيّ حال، غير مؤذية ولا شديدة الأهمية (فمتى كانت الخطط ضمن هيئات الجمعيات، مثلا، أمرا ذا بال في حدّ ذاته يمكن أن يتباهى به متباه كمنّة منه أو كعلوّ شأن مقارنة بخطط أخرى أو حتّى بانعدام الخطط؟ أو ليس العمل ضمن الجمعيات عملا جماعيا بحق ؟...)
أصبت بذهول وغشيت دماغي عتمة ظلماء... فجعت.

وإذا بذاكرتي تضع أمام عينيّ وبصيرتي صوتا رقيقا وعذبا وواثقا، صوت أستاذة علم الاجتماع فتحية بن سدرين الباروني تقول لي ذات مرّة مرّت عليها أكثر من عشرية : "يا الصادق، كفانا تجميلا للجزيرة ولناسها. ففي جربة –كما في غيرها- آفات، وشنائع، وخور...

أنظر مثلا إلى الأهالي كيف يتخاصمون ويتباغضون ويبذّرون وقتهم وجهدهم ومالهم في التّقاضي : هذا بسبب شبّاك فتحه أخوه، وذاك بسبب شبر من أرض استولى عليه ابن عمّه، والآخر لأنّه لم يرض بقسمة إرث في حجم جلد ثور لم تقطّعه عليسة  سيورا طويلة، وغيرهم لأنّه يبتغي أن يثبت لزوجه أنّه أعتى وأشرس من خاله...
وفيما هم يتخاصمون ويتباغضون ويبذّرون، انظر إلى جزيرتهم ومحيطهم كيف يتغيّر سبهللا وتدهورا : معالم تشوّه وحتّى تطمس، وعقارات منها مقابر تنهب، وفوضى عارمة..."

أختي العزيزة فتحية الباروني ! لعلك لم تقولي لي حينها كلّ هذا أو هذا بالضّبط ! ولعلّ ذاكرتي قد حسّنت أو أبدلت أو شذبت.
غير أنّني لا أعتقد أن ذلك يهمّ كثيرا ولا أخالك تعاتبينني عليه.
ولكنّني أردت أن تعلمي أن حديثا دار بيننا قبل أكثر من عشر سنوات قد انطبع فيّ، وأنقذني من العتمة. فأنا قد تعلّمت من دراستي ومن الحياة أنّ أوّل الخلاص الإدراك.

وإذ أعود إلى موضوع حديثي اليوم فإنّني أوجز بالقول : "شرنقة الدّودة وسط التّفاحة".

وإنّني لأدعو الجميع إلى التّريّث والحكمة والتعالي على الذّات... فلو انفتح باب من الأبواب التي في البيان فإنّ الأمور قد تتعدّى قدرة الكثيرين على التحمّل وتحفز شهية الحسّاد والغيورين والمتربّصين وتفكّ مكابح حتّى بعض ممّن في أنفسهم إحساس بضيم...

يا هيئة جمعية صيانة جزيرة جربة ويا أعضاءها : أناشدكم أن تصبّوا جهدكم على قضاياكم الحقيقية، وأن تتعاضدوا من أجل أغراضكم الأصلية، وأن تتآزروا لتصدّوا الاعتداءات التي تطال محيطكم وبعضا منكم، وأن تفسحوا المجال لتينع ألف ألف زهرة حتّى متى كان بعضها لا يوافق هواكم.
وعلينا جميعا أن لا يفوتنا أنّ الجمعية بتاريخها وتراثها وإنجازاتها وإخفاقاتها ملك مشاع يحق لأيّ من أعضائها ومناصريها –ولا ضيْر في ذلك البتّة !- استقراؤه واستنطاقه وتفسيره وفقا لما يراه واعتمادا على ما رسب في ذاكرته ورشح في وجدانه هو ذاته، وليس وفقا لخطّ مقَيِّدٍ يضعه أو يرضى به غيره.

رجاء : أغلقوا باب الصّقيع ! رجاء : لا تفتحوا باب الهاجرة !


                                                                                              24 مارس 2010

3 commentaires: